الصوفية بين الماضى والحاضر: يوليو 2012

الأحد، 8 يوليو 2012

الفهم الصحيح للتصوف

كثر في هذا الوقت الحديث عن التصوف والصوفية،
وظهر في الأفق كثير من المعترضين والذين ينظرون إلى مُدَّعى التصوف - الذين انشغلوا بالظواهر والمظاهر؛ ولم ينشغلوا بنور الله الواضح والباهر- وظنوا أن هؤلاء هم الصوفيةواعترض كثيرون أيضا على الصوفية؛
 بحجة أنه لا يوجد لهم أصل في الشريعة الإسلامية والملة الحنيفية.ونريد أن نجلِّى هذا الأمر، بوضوح، وببيان من القرآن وبسنة النبي العدنان، ومن الحياة العملية التي ربَّى عليها النبي المصطفى أصحابه في مكة والمدينة

الصوفية بين الماضى والحاضر: موضوعات المدونة

الصوفية بين الماضى والحاضر: موضوعات المدونة: نور لااله الاالله تعريف التصوف اشتقاق التصوف أهمية التصوف نشأة علم التصوف مقدمة المنهج العملي للتصوف عقيدة الصوفية عقيدة أهل السنة ...

مشروعية حلقات الذكر سنة



الاجتماع على الذكر فى حلق سنة ثابتة بأدلة الشرع الشريف, أمر الله بها فى كتابه العزيز, فقال تعالى: )وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (الكهف ). وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن لله تعالى ملائكة يطوفون فى الطريق يلتمسون أهل الذكر, فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هَلُمُّوا إلى حاجتكم, فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا..... إلى أن قال: فيقول الله U: أشهدكم أنى غفرت لهم. فيقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم, إنما جاء لحاجة, قال: هم الجلساء لا يشقى جليسهم)([6]).
وعن معاوية رضي الله عنه: (أن النبى صلى الله عليه وسلم، خرج على حلقة من أصحابه, فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام وَمَنَّ به علينا.... إلى أن قال: أتانى جبريل فأخبرنى أن الله يباهى بكم الملائكة)([7]).
وقد بوب النووى الحديث الأول فى كتابه رياض الصالحين بعنوان, باب فضل: (حلق الذكر), والذكر فى الشريعة الإسلامية له معان كثيرة منها: الإخبار المجرد عن ذات الله, أو صفاته, أو أفعاله, أو أحكامه, أو بتلاوة كتابه, أو بمسألته ودعائه, أو بإنشاء الثناء عليه بتقديسه, وتمجيده, وتوحيده, وحمده, وشكره وتعظيمه, ولا دليل أن حلق الذكر المراد بها هنا دروس العلم.
وقد أورد الصنعانى حديث مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما جلس قوم يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة, وغشيتهم الرحمة, وذكرهم الله فيمن عنده)([8]).
ثم قال: (دل الحديث على فضيلة مجالس الذكر والذاكرين, وفضيلة الاجتماع على الذكر. وأخرج البخارى: (أن ملائكة يطوفون فى الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تعالى تنادوا هَلُمُّوا إلى حاجتكم. قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا) الحديث. وهذا من فضائل مجالس الذكر تحضرها الملائكة بعد التماسهم لها.

والمراد بالذكر هو: التسبيح, والتحميد, وتلاوة القرآن, ونحو ذلك, وفى حديث البَزَّار (إنه تعالى يسأل ملائكته: ما يصنع العباد؟ وهو أعلم بهم, فيقولون: يعظمون آلاءك, ويتلون كتابك, وَيُصَلُّونَ على نبيك, ويسألونك لآخرتهم ودنياهم), والذكر حقيقة فى ذكر اللسان ويؤجر عليه الناطق ولا يشترط استحضار معناه, وإنما يشترط ألا يقصد غيره, فإن انضاف إلى الذكر باللسان الذكر بالقلب فهو أكمل, وإن انضاف إليهما استحضار معنى الذكر, وما اشتمل عليه من تعظيم الله تعالى, ونفى النقائص عنه ازداد كمالاً, فإن وقع ذلك فى عمل صالح مما فرض من صلاة أو جهاد أو غيرهما فكذلك, فإن صح التوجه وأخلص لله فهو أبلغ فى الكمال([9]).

ومما سبق يعلم أن التجمع لذكر الله بقراءة القرآن, أو مدارسة العلم, أو التسبيح والتهليل والتحميد من السنن التى حث عليها ربنا فى كتابه العزيز, وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، الصحيحة الصريحة.
والله تعالى أعلى وأعلم
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) الغرر البهية, لشيخ الإسلام زكريا الأنصارى, ج1 ص387.
([2]) الفتاوى الفقهية الكبرى, لابن حجر الهيثمى, ج2 ص 385.
([3]) البحر الرائق, لابن نجيم, ج2 ص 52.
([4]) الموسوعة الفقهية الكويتية, ج21 ص 257, 258, حرف الذال, ذكر.
([5]) المدخل, للعبدرى ابن الحاج: ج3 ص 179, 180.
([6]) أخرجه البخارى فى صحيحه, ج5 ص 2353.
([7]) أخرجه مسلم فى صحيحه, ج4 ص 2075.
([8]) أخرجه مسلم فى صحيحه, ج4 ص 2074.
([9]) سبل السلام, للصنعانى, ج2 ص 7

اجتماع المسلمين فى الليالى المباركة و المناسبات الدينية


أ عتاد المسلمين الاجتماع فى المناسبات الدينية . كليلة القدر و ليلة النصف من شعبان و ليلة الاسراء و المعراج و ليلة عاشورا و يوم بدر و الهجرة .

مقدمة
 ان اجتماع المسلمون فى أى وقت و فى أى مكان ما دام الاجتماع موافق لشرع الله و فيه منفعة للمسلمين و أن هذه الاجتماعات تكون بمدارسة العلم النافع و ذكرالله .
و الصلاة على رسول الله و بالمدائح التربيوية و الذهدية لأن الله أمرنا أن نتعاون على البر و التقوى و المساعدة و العون .

و ان الاجتماع فى هذه المناسبات فرصة عظيمة للدعوة الى الله و تذكير المسلمين بفضل الله عليهم فى تلك الليالى و الايام . و لما فى هذه الليالى من خير الذى تفضل به الله على امة الاسلام . و يجتمع المسلمين شكر لله على عطاياه فى هذه الأيام و الليالي و اليك بعض الذى
        من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون, ونجى فيه موسى، فنحن نصومه شكرا لله فشرع النبى صيامه وقال نحن اولى بموسى منهم ) ، فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة، أو دفع نقمة وأي نعمة أعظم من نعمة بروز هذا النبي صلى الله عليه وسلم.. 3- شيخ الإسلام وإمام الشراح الحافظ ابن حجر العسقلاني: قال الحافظ السيوطي ما نصه: ((وقد سئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل ابن حجر عن عمل المولد فأجاب بما نصه: أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كانت بدعة حسنة، وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون, ونجى موسى، فنحن نصومه شكرا لله، فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة، أو دفع نقمة..إلى أن قال : وأي نعمة أعظم من نعمة بروز هذا النبي صلى الله عليه وسلم.. نبي الرحمة في ذلك اليوم، فهذا ما يتعلق بأصل عمله، وأما ما يعمل فيه: فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شئ من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة)) انتهى كلامه رحمه الله.
  
الانتفاع بمجالسة العارفين
 عند ابن القيم
قال ابن القيم في مدارج السالكين "ج3 ص335"
"وقيل : مجالسة العارف تدعوك من ست إلى ست : من الشك إلى اليقين , ومن الرياء الى الإخلاص , ومن الغفلة الى الذكر , ومن الرغبة في الدنيا الى الرغبة في الاخرة , ومن الكبر الى التواضع , ومن
راى اهل العلم يستحب إحياؤها جماعة في المساجد. كان خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم، ويتبخرون ويتكحلون، ويقومون في المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك، وقال في قيامها في المساجد جماعة: ليس ذلك ببدعة، نقله حرب الكرماني في مسائله
فضل ليلة النصف من شعبان وتخريج الأحاديث والآثار الواردة فيها وحكم الاحتفال بها
قال ابن ماجة : حدثنا راشد بن سعيد بن راشد الرملي ثنا الوليد عن ابن لهيعة عن الضحاك بن أيمن عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب عن أبي موسى الأشعري عن رسول الله قال : إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقة إلا لمشرك أو مشاحن ( ) .
قال ابن ماجه : حدثنا الحسن بن علي الخلال ثنا عبد الرزاق أنبأنا بن أبي سبرة عن إبراهيم بن محمد عن معاوية بن عبد الله بن جعفر عن أبيه عن علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول ألا من مستغفر لي فأغفر له ألا مسترزق فأرزقه ألا مبتلي فأعافيه ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر ( ) .
قال ابن ماجه : حدثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي ومحمد بن عبد الملك أبو بكر قالا ثنا يزيد بن هارون أنبأنا حجاج عن يحيى بن أبي كثير عن عروة عن عائشة قالت فقدت النبي ذات ليلة فخرجت أطلبه فإذا هو بالبقيع رافع رأسه إلى السماء فقال يا عائشة أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله قالت قد قلت وما بي ذلك ولكني ظننت أنك أتيت بعض نسائك فقال إن الله تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب ( ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية :

 ليلة النصف من شعبان قد روى في فضلها من الأحاديث المرفوعة والآثار ما يقتضي أنها ليلة مفضلة وأن من السلف من كوان يخصها بالصلاة فيها وصوم شهر شعبان قد جاءت فيه أحاديث صحيحة
وقال أيضاً : وصلاة الألفية في ليلة النصف من شعبان والاجتماع على صلاة راتبة فيها بدعة وإنما كانوا يصلون في بيوتهم كقيام الليل ، وإن قام معه بعض الناس من غير مداومة على الجماعة فيها وفي غيرها فلا بأس كما صلى النبي ليلة بابن عباس وليلة بحذيفة ( ) .
قال البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أجازة أن أبا عبد الله محمد بن علي الصنعاني أخبرهم حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق قال أخبرني من سمع ابن البيلماني يحدث عن أبيه عن ابن عمر بن الخطاب قال : خمس ليالي لا يرد فيهن الدعاء ليلة الجمعة وأول ليلة من رجب وليلة النصف من شعبان وليلتا العيد ( ).
قال البيهقي : قال الشافعي : وبلغنا أنه كان يقال إن الدعاء يستجاب في خمس ليال في ليلة الجمعة وليلة الأضحى وليلة الفطر وأول ليلة من رجب وليلة النصف من شعبان قال : وبلغنا أن ابن عمر كان يحيي ليلة جمع وليلة جمع هي ليلة العيد لأن في صبحها النحر ( ) .
قال الشافعي في الأم : وبلغنا أنه كان يقال إن الدعاء يستحاب في خمس ليال في ليلة الجمعة وليلة الأضحى وليلة الفطر وأول ليلة من رجب وليلة النصف من شعبان قال الشافعي وأخبرنا إبراهيم بن محمد قال : رأيت مشيخة من خيار أهل المدينة يظهرون ( ) .
قال الخلال : حدثنا يوسف بن عمر القواس ثنا محمد بن مخلد ثنا أحمد بن عبد الله الحداد ثنا صبيح بن دينار ثنا المعافى بن عمران عن عمرو بن أبي المقدام العجلي قال أعطاني مروان بن محمد كتابا فيه عن أبي يحيى أنه حدثه بضعة وثلاثون ممن يوثق بهم أنه من قرأ في ليلة النصف من شعبان قل هو الله أحد ألف مرة في مائة ركعة لم يمت حتى يرى في منامه مائة ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة وثلاثون يؤيسونه من النار وثلاثون يعصمونه وعشرة يكيدوا له من أعدائه
سوء الطوية الى النصيحة"
و الله من وراء القصد و هو يهدى السبيل و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم .

كيفية التبرك باثار الانبياء والصالحين


 يفهم بعض الناس على أن التبرك عبادة للشخص المتبرك به ، والغريب هو أن هذا المفهوم يخالف مفهوم النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتبركون ببقايا وضوءه صلى الله عليه وسلم ، كما نقرأ في صحيح البخاري عن أبي جحيفة قال:"أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة حمراء من أدم (جلد) ورأيت بلالاً أخذ وَضوء النبي صلى الله عليه وسلم والناس يبتدرون لوضوء فمن أصاب منه شيئًا تمسح به، ومن لم يُصب منه شيئًا أخذ من بلل يد صاحبه."بل وقسّم صلى الله عليه وسلم شعره على أصحابه وهم يتلقفونه كما في صحيح مسلم عن أنس قال:"قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل".وقصص تبرك الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم كثيرة ، إلا أن المعارض يجيب بنقطتين:بأن تبرك الصحابة لا يقصدون به النفع.بأن التبرك جائز في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فقط وليس بعد مماته.


فأولاً: القول بأن التبرك ما كان الصحابة يقصدون به النفع ، هو قول باطل ، فقد قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (الجزء12 صفحة 599(:

"والماء الذي توضأ به النبي صلى الله عليه وسلم هو أيضاً ماء مبارك ، صب منه على جابر وهو مريض ، وكان الصحابة يتبركون به."

ثانياً: إن المخالف الذي يقول بأن التبرك مخصوص بحياة النبي صلى الله عليه وسلم فقط وأن التبرك بعد مماته شرك إنما هو يكفر الصحابة وهو لا يدري ، ففي صحيح مسلم أن الصحابية الجليلة أسماء بنت أبي بكر قالت لعبدالله بن كيسان:

"هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأخرجت إلى جبة طيالسة كسروانية . لها لبنة ديباج . وفرجيها مكفوفين بالديباج . فقالت : هذه كانت عند عائشة حتى قبضت . فلما قبضت قبضتها . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها . فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها."

ويعلق على هذا الحديث الإمام النووي (صاحب الكتاب الشهير رياض الصالحين) في شرحه على صحيح مسلم بقوله:

"وفي هذا الحديث دليلٌ على استحباب التبرك بآثار الصالحين وثيابهم."

وهاهي أم المؤمنين أم سلمة تعالج الناس من العين والأمراض بماء يلامس شعرات النبي صلى الله عليه وسلم ففي الصحيحين (البخاري ومسلم) عن عثمان بن عبدالله بن موهب قال:

"أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء ، فجاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث إليها مِخضَبة. قال: فاطلعت في الجلجل فرأيت شعرات حمراء."

لقد كان التبرك بعد ممات النبي صلى الله عليه وسلم من عادة الصحابة والسلف الصالح رضوان الله عليهم ، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم يتمسحون ويتبركون بكل ما يتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ففي طبقات ابن سعد عن يزيد بن عبدالله بن قسيط:

"كان أصحاب رسول الله إذا خلا المسجد جسوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون".

وكان ابن عمر رضي الله عنه يضع يده على مقعد منبر النبي صلى الله عليه وسلم ثم يضعها على وجهه ، كما ذكره ابن سعد في طبقاته عن عبدالرحمن بن عبدالقادر.

ولم يكن هذا التبرك مخصوصاً بالصحابة فقط وإنما لكل مسلم ، قال ابن تيميّة في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم (الجزء 1،صفحة 367):

"فقد رخص أحمد [ابن حنبل] وغيره في التمسح بالمنبر والرمانة التي هي موضع مقعد النبي صلى الله عليه وسلم ويده."

وسيف الله المسلول خالد بن الوليد كان يفتخر بحفظه لشعرات النبي صلى الله عليه وسلم في مقدمة خوذته والتي بها كان ينتصر في المعارك ، فقد روى الحافظ ابن حجر في المطالب العالية عن خالد بن الوليد رضي الله عنه أنه قال:

"اعتمرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة اعتمرها فحلق شعره فسبقت إلى الناصية فاتخذت قلنسوة فجعلتها في مقدمة القلنسوة فما وجهت في وجه إلا فُتح لي." وفي رواية: "فلم أشهد قتالاً وهي معي إلا رزقت النصر." (ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (18/79))

وحينما جاء التابعون كانوا على قدم صدق في اتباع الصحابة رضوان الله عليهم ، فكانوا يتبركون بالصحابة وأماكن ملامستهم للنبي صلى الله عليه وسلم بل ويقبلون الأعين التي رأت الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فقد روى أبو يعلى (وأخرجه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (2/111)) عن ثابت البناني قال:

"كنت إذا أتيت أنسًا يخبر بمكاني فأدخل عليه فآخذ بيديه فأقبلهما وأقول: بأبي هاتان اليدان اللتان مسّتا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبّل عينيه وأقول: بأبي هاتان العينان اللتان رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم."





ويستدل الإمام الحافظ الذهبي - وهو أحد تلاميذةالشيخ ابن تيمية – بهذه القصة على جواز التبرك بأي شيء يتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى ولو كان تراب قبره صلى الله عليه وسلم ، فقد قال في معجم شيوخه (في ترجمة شيخه أحمد بن عبدالمنعم بن أحمد أبو العباس القزويني الطاوسي):

"وقد سئل أحمد بن حنبل عن مس القبر النبوي وتقبيله فلم ير بذلك بأساً ، رواه عنه ولده عبد الله بن أحمد . فإن قيل : فهل فعل ذلك الصحابة؟؟ قيل: لأنهم عاينوه حياً ، وتملوا به وقبلوا يده ، وكادوا يقتتلون على وضوءه ، واقتسموا شعره المطهر يوم الحج الأكبر ، وكان إذا تنخم لا تكاد تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجهه ، ونحن لما لم يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر ترامينا على قبره بالالتزام والتبجيل ، والاستلام والتقبيل ، ألا ترى كيف فعل ثابت البناني؟! كان يقبل يد أنس بن مالك ويضعها على وجهه ويقول: يد مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ هو مأمور بأن يحب الله ورسوله أشد من حبه لنفسه وولده والناس أجمعين ، ومن أمواله ومن الجنة وحورها . . ."

نعم لقد كان التبرك بكل ما اتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم عند التابعين أحب إليهم من الدنيا ومافيها ، ففي صحيح البخاري عن ابن سيرين قال:

"قلت لعبيدة [السليماني – هو أحد كبار التابعين-] عندنا من شعر النبي صلى الله عليه وسلم أصبناه من قِبل أنس أو من قِبل أهل أنس فقال: لأن تكون عندي شعرة منه أحب إليّ من الدنيا وما فيها."

وقد كان إمام السنة أحمد بن حنبل وغيره من السلف الصالح من شدة محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم كان كل همهم التبرك بكل ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويستنفعون ويتداوون به ، فقد ذكر الإمام الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (11 / 212) مانصه بأن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال:

"رأيت أبي –أي أحمد بن حنبل- يأخذ شعرة من شعر النبي صلى الله عليه وسلم فيضعها على فيه يقبلها وأحسب أني رأيته يضعها على عينه ويغمسها في الماء ويشربه يستشفي به ورأيته أخذ قصعة النبي صلى الله عليه وسلم فغسلها في حب الماء ثم شرب فيها ورأيته يشرب من ماء زمزم يستشفي به ويمسح به يديه ووجهه ".

ثم يعلق الإمام الذهبي على هذا الكلام متهماً أولئك الذين ينكرون التبرك بأنهم متنطعة وخوارج ومبتدعة ، حيث يقول:

"قلت: أين المتنطع المنكر على أحمد وقد ثبت أن عبد الله سأل أباه عمن يلمس رمانة منبر النبي صلى الله عليه وسلم ويمس الحجرة النبوية فقال: ((لا أرى بذلك بأسا)) ، أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع ."

هذا عن التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ماذا عن صالحي المسلمين؟ هل يجوز التبرك بهم أم لا؟ إن التبرك ليس مخصوصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم وإنما بكل مسلم صالح ، فالنبي صلى الله عليه وسلم نفسه الذي هو كله بركة كان يتبرك بما لامسته أيدي الصحابة ، فقد روى الطبراني في الأوسط -وذكره الشيخ الألباني في سلسلته الصحيحة (5/154) برقم ( 2118) وحسّنه- عن ابن عمر أنه قال:

"قلت يا رسول الله, أتوضأ من جرّ جديد مخمّر أحبّ إليك, أم من المطاهر؟ قال: "لا, بل من المطاهر, إن دين الله يسّر الحنيفية السمحة". قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث إلى المطاهر فيؤتى بالماء فيشربه , يرجو بركة أيدي المسلمين".

وقد قال الإمام النووي في شرحه على حديث تبرك الصحابة بوضوء النبي صلى الله عليه وسلم (وذلك في شرحه على صحيح مسلم 14/44):

"ففيه التبرك بآثار الصالحين واستعمال فضل طهورهم وطعامهم وشرابهم ولباسهم."




"باب ذِكْر ما يُستحبُّ للمِرء التَّبركُ بالصالحينَ وأشباهِهم"

وقد بَوّبَ الحافظ ابن حبان في صحيحه باباً بعنوان:إن المنكر للتبرك إنما هو يظن بأن التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بغيره إنما هي عبادة لهم وغلو فيهم ، ولم يفرق هذا بين مجرد التبرك والعبادة ، فلو كان التبرك عبادة لمنع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من التبرك ولما شجعهم على ذلك ، ومن يظن بأن مجرد التبرك أو التشفي عبادة فإنه يطعن في إيمان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بل ويطعن في صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم ، فالعبادة هي الاعتقاد بألوهية من تعبده ، وأما التبرك فإنه مجرد طلب النفع مع الاستشعار والاعتقاد بأن المعطي والمانح في الحقيقة هو الله تعالى ، وهذا مثله مثل شخص يذهب إلى الطبيب ليشفى من المرض ، فإن المريض إنما يكون اعتقاده بأن الطبيب نفعه إنما هو من الله في الحقيقة ، وأما إذا اعتقد المريض الشفاء من الطبيب على وجه الحقيقة فإنه بذلك أشرك ، وهذا بالضبط هو مفهوم النبي صلى الله عليه وسلم و صحابته ومن تبعهم في التبرك ، مثله مثل الاستشفاء بالطبيب أو الدواء والتي كلها مخلوقات ، فمن أنكر النفع والضر من المخلوق (فكلنا مخلوقات ننفع بعضنا بعضاً بإذن الله) فإنما هو مبتدع مخالف لمنهج السلف ، وما أقول هنا إلا ما قاله الإمام الذهبي: أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج و من البدع ، آمين.

وصلى الله على حبيبنا وسيدنا وشفيعنا محمد وآله وصحبه وسلم

الحافظ ابن كثير والتبرك بذات الصالحين

قال ابن كثير في البداية والنهاية

(فيها نفذ الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رسولا إلى السلطان ملكشاه والوزير نظام الملك، وكان أبو إسحاق كلما مر على بلدة خرج أهلها يتلقونه بأولادهم ونسائهم، يتبركون به

ويتمسحون بركابه، وربما أخذوا من تراب حافر بغلته، ولما وصل إلى ساوة خرج إليه أهلها، وما مر بسوق منها إلا نثروا عليه من لطيف ما عندهم، حتى اجتاز بسوق الاساكفة، فلم يكن عندهم إلا مداساة الصغار فنثروها عليه، ف قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في حديث عتبان بن مالك الانصاري رضي الله عنه:

"وفيه التبرك بالمواضع التي صلى فيها النبي –صلى الله عليه وسلم- أو وطئها. قال: ويستفاد منه أن من دُعي من الصالحين ليُتبرك به أنه يجيبُ إذا أمن الفتنة" .

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله-:

"والمراد أنه كان من اشتكى أرسل إناء إلى أم سلمة، فتجعل فيه تلك الشعرات وتغسلها فيه، وتعيده، فيشربه صاحب الإناء، أو يغتسل به استشفاء بها فتحصل له بركتها". "فتح الباري" (١٠/٣٠٣))

يقول ابن الحافظ ابن حجر العسقلاني رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق ويصلي فيها ويحدث أن أباه كان يصلي فيها قال ابن تيميّة في كتابه المسمّى اقتضاءالصراط المستقيم،الجزء 1،صفحة 367.

فقد رخص أحمد وغيره في التمسح بالمنبر والرمانة التي هي موضعمقعدالنبي صلى الله عليه وسلم ويده  مجموع فتاوي ابن تيمية : (الجزء12 صفحة 599)
واذا كتب شيئ من القران أوالذكر في إناء أولوح ومحي بالماء وغيره , وشرب ذلك فلا بأس به – نص عليه أحمد وغيره , ونقلواعن ابن عباس رضي الله عنهماأنه كان يكتب كلمات من القران والذكر ويأمر بأنتسقىلمن به داء وهذايقتضي أن لذلك بركة .

والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم

أداب التوسل بالانبياء والمرسلين والصالحين


التوسل بالانبياء والمرسلين والصالحين

 الوسيلة:هى كل قربة يتقرب بها العبد الى الله وفرض الله الوسيلة على عباده المؤمنين قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ)مخالفة لليهود والنصارى كانوا يتكبرون على انبيائهم ويقتلونهم . ويدعون انهم ابناء الله واحباءه وليدرك العبد المؤمن مكانة هؤلاء الرجال عند ربهم وان الله اكرم الناس بسببهم وعلى ايديهم باعظم المكرومات  وهى هداية الناس واخراجهم من الظلمات الى النور وتعليمهم وارشادهم  . وبذلك يتحقق المؤمن بكرامتهم على ربهم  وان الله وهب لهم مايشاؤن  وانهم عند ربهم يرزقون .ورسل الله  واولياء الله قامو باسداء الخير وقد تحملوا فادح الالام من اجل اسعاد البشرية .هذا وان العبد المتوسل يعتقد يقينا انهم عبيد لله لايملكون لانفسهم ولا لغيرهم ضرا ولا نفعا  ويتوسل العبد المؤمن بهم لمكانتهم من ربهم  وانهم سبب من اسباب بلوغ الخير  . كالماء سبب فى الحياة والشمس فى الضياء  ولان الله جعل لكل شيىء سببا  

أراء العلما فى التوسل

اجع علماء الامه ان التوسل جائز  ويكون بالله وباسماءه وبالعمل الصالح وبصالح الامة الاحياء.

 ومنهم من اجاز التوسل بالانبياء والمرسلين وبصالح الامه الاحياء والاموات . لانهم احياء فى قبورهم .والمتوسل يتوسل بمكانة الرجل الصالح عند ربه  ويرون ان بموته لاتزول مكانته  ويجوز التوسل بالصالحين الاموات

اخرج الإمام مسلم ج- الدليل علي ذلك ما ذكره ابن القيم في ذاد المعاد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من خرج رجل من بيته إلي الصلاة فقال اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا إليك فإني لم أخرج بطرا ولا أشرا ولا رياء ولا سمعة وإنما خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي فانه لا يغفر الذنوب إلا أنت. إلا وكل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له وأقبل الله عليه بوجهه حتى يقضي صلاته. ورواه أيضا ابن ماجه         عن أبن مسعود( أنه كان يضرب غلاما فجعل يقول"أعوذ بالله قال:فجعل يضربه فقال:أعوذ برسول الله: فتركه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله,لله أقدر عليك منك عليه قال فاعتقه أخرجه الإمام مسلم ٣\1281 حديث ابن مسعود أعوذ برسول الله منك

وابن كثير

وفي مقدمة علوم الحديث الإمام النووي ( ص3 ):

فالله العظيم - الذي بيده الضر والنفع والإعطاء والمنع - أسأل وإليه أضرع وأبتهل متوسلا إليه بكل وسيلة متشفعا إليه بكل شفيع أن يجعله مليا بذلك وأملى وفيا بكل ذلك وأوفى . وأن يعظم الأجر والنفع به في الدارين إنه قريب مجيب

اللهم إنا نستسقي ونستشفع إليك بعبدك فلان كما روى البخاري أن عمر رضي الله عنه استسقى بعباس رضى الله عنه وقال جاء الاستسقاء بأهل الخير والصلاح عن معاوية رضى الله عنه وغيره       

قال الإمام ابن حجر العسقلان

(استسقاء عبد المطلب بالنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وهو رضيع : لقد استسقى عبد المطلب بالنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وهو طفل صغير ، حتى قال ابن حجر : إن أبا طالب يشير بقوله : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال * اليتامى عصمة للأرامل إلى ما وقع في زمن عبد المطلب حيث استسقى لقريش والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " معه غلام)

فتح الباري : ٢ /

توسل الإمام أحمد بن حنبل بالإمام الشافعي

ثبت أنّ أحمد توسَّل بالشافعي حتى تعجّب ابنه عبد الله، فقال له أبوه : إنّ الشافعي كالشمس للناس وكالعافية للبدن ) الخيرات الحسان

ومن الأدلّةِ على جوازِ التوسُّلِ الحديثُ الذي رواهُ الطبرانيُّ وصحَّحَهُ والذي فيه أن الرسولَ صلى الله عليه وسلم عَلَّم الأعمَى أن يتوسلَ به فذهَبَ فتوسَّل به في حالة غيبتِهِ وعادَ إلى مجلسِ النبي وقد أَبصَرَ، وكانَ مما علّمَهُ رسولُ الله أن يقول: "اللهم إني أسألكَ وأتوجَّهُ إليك بنبيّكَ محمَّدٍ نبيّ الرّحمةِ يا محمَّدُ إنّي أتوجَّهُ بكَ إلى ربّي في حاجتي (ويسمّي حاجته) لِتُقضَى لي

رَوى البَيهقيُّ بإسْنادٍ صَحِيح عن مَالكِ الدَّارِ وكانَ خَازِنَ عُمرَ قالَ: أصَابَ النّاسَ قَحْطٌ في زَمانِ عُمَرَ فَجاءَ رَجُلٌ إلى قبرِ النَّبي صلى الله عليه وسلم فقالَ: يا رسُولَ الله اسْتَسْقِ لأُمّتِكَ فَإنَّهُم قَدْ هَلَكُوا فأُتِيَ الرجلُ في المََنامِ فقِيْلَ لَهُ: أقْرِىء عُمرَ السَّلامَ وأخْبِرْهُ أنَّهُم يُسْقَوْنَ، وقُلْ لَهُ: عَليكَ الكَيْسَ الكَيْسَ. فأَتَى الرَّجلُ عُمَرَ فأَخْبرَهُ، فَبكَى عُمَرُ وقَالَ: يا رَبّ مَا ءَالُو إلا مَا عَجَزْتُ. وقَد جاءَ في تَفْسِيرِ هذَا الرَّجُلِ أنّهُ بلالُ بنُ الحارِثِ المُزَنيُّ الصّحَابِيُّ.

                         
9ـ  حكم التبرك باثار الصالحين

يستنكر بعض الناس التبرك ويحكمون بأنه كفر وشرك بالله تعالى ، فهم يفهمون التبرك على أنه عبادة للشخص المتبرك به ، والغريب هو أن هذا المفهوم يخالف مفهوم النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتبركون ببقايا وضوءه صلى الله عليه وسلم ، كما نقرأ في صحيح البخاري عن أبي جحيفة قال:

"أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة حمراء من أدم (جلد) ورأيت بلالاً أخذ وَضوء النبي صلى الله عليه وسلم والناس يبتدرون لوضوء فمن أصاب منه شيئًا تمسح به، ومن لم يُصب منه شيئًا أخذ من بلل يد صاحبه."

بل وقسّم صلى الله عليه وسلم شعره على أصحابه وهم يتلقفونه كما في صحيح مسلم عن أنس قال:

"قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل".

وقصص تبرك الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم كثيرة ، إلا أن المعارض يجيب بنقطتين:

بأن تبرك الصحابة لا يقصدون به النفع.

بأن التبرك جائز في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فقط وليس بعد مماته.

فأولاً: القول بأن التبرك ما كان الصحابة يقصدون به النفع ، هو قول باطل ، فقد قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (الجزء12 صفحة 599(:

"والماء الذي توضأ به النبي صلى الله عليه وسلم هو أيضاً ماء مبارك ، صب منه على جابر وهو مريض ، وكان الصحابة يتبركون به."

ثانياً: إن المخالف الذي يقول بأن التبرك مخصوص بحياة النبي صلى الله عليه وسلم فقط وأن التبرك بعد مماته شرك إنما هو يكفر الصحابة وهو لا يدري ، ففي صحيح مسلم أن الصحابية الجليلة أسماء بنت أبي بكر قالت لعبدالله بن كيسان:

"هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأخرجت إلى جبة طيالسة كسروانية . لها لبنة ديباج . وفرجيها مكفوفين بالديباج . فقالت : هذه كانت عند عائشة حتى قبضت . فلما قبضت قبضتها . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها . فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها."


ويعلق على هذا الحديث الإمام النووي (صاحب الكتاب الشهير رياض الصالحين) في شرحه

"وفي هذا الحديث دليلٌ على استحباب التبرك بآثار الصالحين وثيابهم."
وهاهي أم المؤمنين أم سلمة تعالج الناس من العين والأمراض بماء يلامس شعرات النبي صلى الله عليه وسلم ففي الصحيحين (البخاري ومسلم) عن عثمان بن عبدالله بن موهب قال:

"أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء ، فجاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث إليها مِخضَبة. قال: فاطلعت في الجلجل فرأيت شعرات حمراء."

لقد كان التبرك بعد ممات النبي صلى الله عليه وسلم من عادة الصحابة والسلف الصالح رضوان الله عليهم ، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم يتمسحون ويتبركون بكل ما يتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ففي طبقات ابن سعد عن يزيد بن عبدالله بن قسيط:

"كان أصحاب رسول الله إذا خلا المسجد جسوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون".

وكان ابن عمر رضي الله عنه يضع يده على مقعد منبر النبي صلى الله عليه وسلم ثم يضعها على وجهه ، كما ذكره ابن سعد في طبقاته عن عبدالرحمن بن عبدالقادر.

ولم يكن هذا التبرك مخصوصاً بالصحابة فقط وإنما لكل مسلم ، قال ابن تيميّة في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم (الجزء 1،صفحة 367):

"فقد رخص أحمد [ابن حنبل] وغيره في التمسح بالمنبر والرمانة التي هي موضع مقعد النبي صلى الله عليه وسلم ويده."

وسيف الله المسلول خالد بن الوليد كان يفتخر بحفظه لشعرات النبي صلى الله عليه وسلم في مقدمة خوذته والتي بها كان ينتصر في المعارك ، فقد روى الحافظ ابن حجر في المطالب العالية عن خالد بن الوليد رضي الله عنه أنه قال:

"اعتمرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة اعتمرها فحلق شعره فسبقت إلى الناصية فاتخذت قلنسوة فجعلتها في مقدمة القلنسوة فما وجهت في وجه إلا فُتح لي." وفي رواية: "فلم أشهد قتالاً وهي معي إلا رزقت النصر." (ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (18/79))

وحينما جاء التابعون كانوا على قدم صدق في اتباع الصحابة رضوان الله عليهم ، فكانوا يتبركون بالصحابة وأماكن ملامستهم للنبي صلى الله عليه وسلم بل ويقبلون الأعين التي رأت الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فقد روى أبو يعلى (وأخرجه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (2/111)) عن ثابت البناني قال:

"كنت إذا أتيت أنسًا يخبر بمكاني فأدخل عليه فآخذ بيديه فأقبلهما وأقول: بأبي هاتان اليدان اللتان مسّتا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبّل عينيه وأقول: بأبي هاتان العينان اللتان رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم."

ويستدل الإمام الحافظ الذهبي - وهو أحد تلامذة الشيخ ابن تيمية – بهذه القصة على جواز التبرك بأي شيء يتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى ولو كان تراب قبره صلى الله عليه وسلم ، فقد قال في معجم شيوخه (في ترجمة شيخه أحمد بن عبدالمنعم بن أحمد أبو العباس القزويني الطاوسي):

"وقد سئل أحمد بن حنبل عن مس القبر النبوي وتقبيله فلم ير بذلك بأساً ، رواه عنه ولده عبد الله بن أحمد . فإن قيل : فهل فعل ذلك الصحابة؟؟ قيل: لأنهم عاينوه حياً ، وتملوا به وقبلوا يده ، وكادوا يقتتلون على وضوءه ، واقتسموا شعره المطهر يوم الحج الأكبر ، وكان إذا تنخم لا تكاد تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجهه ، ونحن لما لم يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر ترامينا على قبره بالالتزام والتبجيل ، والاستلام والتقبيل ، ألا ترى كيف فعل ثابت البناني؟! كان يقبل يد أنس بن مالك ويضعها على وجهه ويقول: يد مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ هو مأمور بأن يحب الله ورسوله أشد من حبه لنفسه وولده والناس أجمعين ، ومن أمواله ومن الجنة وحورها . . ."

نعم لقد كان التبرك بكل ما اتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم عند التابعين أحب إليهم من الدنيا ومافيها ، ففي صحيح البخاري عن ابن سيرين قال:

"قلت لعبيدة [السليماني – هو أحد كبار التابعين-] عندنا من شعر النبي صلى الله عليه وسلم أصبناه من قِبل أنس أو من قِبل أهل أنس فقال: لأن تكون عندي شعرة منه أحب إليّ من الدنيا وما فيها."

وقد كان إمام السنة أحمد بن حنبل وغيره من السلف الصالح من شدة محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم كان كل همهم التبرك بكل ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويستنفعون ويتداوون به ، فقد ذكر الإمام الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (11 / 212) مانصه بأن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال:

"رأيت أبي –أي أحمد بن حنبل- يأخذ شعرة من شعر النبي صلى الله عليه وسلم فيضعها على فيه يقبلها وأحسب أني رأيته يضعها على عينه ويغمسها في الماء ويشربه يستشفي به ورأيته أخذ قصعة النبي صلى الله عليه وسلم فغسلها في حب الماء ثم شرب فيها ورأيته يشرب من ماء زمزم يستشفي به ويمسح به يديه ووجهه ".

ثم يعلق الإمام الذهبي على هذا الكلام متهماً أولئك الذين ينكرون التبرك بأنهم متنطعة وخوارج ومبتدعة ، حيث يقول:

"قلت: أين المتنطع المنكر على أحمد وقد ثبت أن عبد الله سأل أباه عمن يلمس رمانة منبر النبي صلى الله عليه وسلم ويمس الحجرة النبوية فقال: ((لا أرى بذلك بأسا)) ، أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع ."

هذا عن التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ماذا عن صالحي المسلمين؟ هل يجوز التبرك بهم أم لا؟ إن التبرك ليس مخصوصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم وإنما بكل مسلم صالح ، فالنبي صلى الله عليه وسلم نفسه الذي هو كله بركة كان يتبرك بما لامسته أيدي الصحابة ، فقد روى الطبراني في الأوسط -وذكره الشيخ الألباني في سلسلته الصحيحة (5/154) برقم ( 2118) وحسّنه- عن ابن عمر أنه قال:

"قلت يا رسول الله, أتوضأ من جرّ جديد مخمّر أحبّ إليك, أم من المطاهر؟ قال: "لا, بل من المطاهر, إن دين الله يسّر الحنيفية السمحة". قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث إلى المطاهر فيؤتى بالماء فيشربه , يرجو بركة أيدي المسلمين".


وقد قال الإمام النووي في شرحه على حديثتبرك الصحابة بوضوء النبي صلى الله عليه وسلم (وذلك في شرحه على صحيح مسلم 14/44):



على صحيح مسلم بقوله:

"ففيه التبرك بآثار الصالحين واستعمال فضل طهورهم وطعامهم وشرابهم ولباسهم."

وقد بَوّبَ الحافظ ابن حبان في صحيحه باباً بعنوان:

"باب ذِكْر ما يُستحبُّ للمِرء التَّبركُ بالصالحينَ وأشباهِهم"

إن المنكر للتبرك إنما هو يظن بأن التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بغيره إنما هي عبادة لهم وغلو فيهم ، ولم يفرق هذا بين مجرد التبرك والعبادة ، فلو كان التبرك عبادة لمنع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من التبرك ولما شجعهم على ذلك ، ومن يظن بأن مجرد التبرك أو التشفي عبادة فإنه يطعن في إيمان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بل ويطعن في صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم ، فالعبادة هي الاعتقاد بألوهية من تعبده ، وأما التبرك فإنه مجرد طلب النفع مع الاستشعار والاعتقاد بأن المعطي والمانح في الحقيقة هو الله تعالى ، وهذا مثله مثل شخص يذهب إلى الطبيب ليشفى من المرض ، فإن المريض إنما يكون اعتقاده بأن الطبيب نفعه إنما هو من الله في الحقيقة ، وأما إذا اعتقد المريض الشفاء من الطبيب على وجه الحقيقة فإنه بذلك أشرك ، وهذا بالضبط هو مفهوم النبي صلى الله عليه وسلم و صحابته ومن تبعهم في التبرك ، مثله مثل الاستشفاء بالطبيب أو الدواء والتي كلها مخلوقات ، فمن أنكر النفع والضر من المخلوق (فكلنا مخلوقات ننفع بعضنا بعضاً بإذن الله) فإنما هو مبتدع مخالف لمنهج السلف ، وما أقول هنا إلا ما قاله الإمام الذهبي: أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج و من البدع ، آمين.

وصلى الله على حبيبنا وسيدنا وشفيعنا محمد وآله وصحبه وسلم

الحافظ ابن كثير والتبرك بذات الصالحين

قال ابن كثير في البداية والنهاية

(فيها نفذ الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رسولا إلى السلطان ملكشاه والوزير نظام الملك، وكان أبو إسحاق كلما مر على بلدة خرج أهلها يتلقونه بأولادهم ونسائهم، يتبركون به

ويتمسحون بركابه، وربما أخذوا من تراب حافر بغلته، ولما وصل إلى ساوة خرج إليه أهلها، وما مر بسوق منها إلا نثروا عليه من لطيف ما عندهم، حتى اجتاز بسوق الاساكفة، فلم يكن عندهم إلا مداساة الصغار فنثروها عليه، ف قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في حديث عتبان بن مالك الانصاري رضي الله عنه:

"وفيه التبرك بالمواضع التي صلى فيها النبي –صلى الله عليه وسلم- أو وطئها. قال: ويستفاد منه أن من دُعي من الصالحين ليُتبرك به أنه يجيبُ إذا أمن الفتنة" .

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله-:

"والمراد أنه كان من اشتكى أرسل إناء إلى أم سلمة، فتجعل فيه تلك الشعرات وتغسلها فيه، وتعيده، فيشربه صاحب الإناء، أو يغتسل به استشفاء بها فتحصل له بركتها". "فتح الباري" (١٠/٣٠٣))

يقول ابن الحافظ ابن حجر العسقلاني رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق ويصلي فيها ويحدث أن أباه كان يصلي فيها قال ابن تيميّة في كتابه المسمّى اقتضاءالصراط المستقيم،الجزء 1،صفحة 367.

فقد رخص أحمد وغيره في التمسح بالمنبر والرمانة التي هي موضع مقعدالنبي صلى الله عليه وسلم ويده  مجموع فتاوي ابن تيمية : (الجزء12 صفحة 599)
واذا كتب شيئ من القران أوالذكر في إناء أولوح ومحي بالماء وغيره , وشرب ذلك فلا بأس به – نص عليه أحمد وغيره , ونقلواعن ابن عباس رضي الله عنهماأنه كان يكتب كلمات من القران والذكر ويأمر بأنتسقى لمن به داء وهذايقتضي أن لذلك بركة .

                  
والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم    



أداب زيارة مقامات الأنبياء و الصالحين .


اجماع المسلمين فى بقاع الأرض على زيارتها

. كانوا يعتقدون أنهم عبيدا لله لا يملكون لا لنفسهم و لا لغيرهم نفعا و لا ضرا و أمرنا الله بزيارة هذه البقاع المباركة لانها من أسباب الخير و النفع للمسلمين كما يذهب المرضى الى أمكاكن الاستشفاء بالرمال و غيرهم . فكيف للمؤمن الذى يعتقد أن الله هو النافع و الضار وهو فيا سواه أسباب جعلها الله لتوصيل الخير لعباده و حتى نأخذ العبرة و العظة من زيارتهم . ذكر سيرتهم و الاسترشاد بهديهم و جهادهم و السير على دربهم و مناهجهم و التأس بأحوالهم .

 ويزور المؤمن هذه المقامات بالآداب التى يتبعها من يزور روضة رسول الله صلى الله عليه وسلم. و يدعوا بما يشاء فى هذه الأماكن لأن الله جعل بها البركة و استجابة الدعاء .

و أن الصلاة فى المساجد التى بها مقامات الصالحين لا شئ فيها و جائزة فأظر أخى الكريم الى تعظيم أنبيائه و الصالحين من عباده و خصهم بالفضل دون غيرهم فالله ينفع بما يشاءو يضر بما يشاء و الله غالب على امره ورد عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال عن قبر أبي حنيفة: (إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم يعني زائراً فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده فما تبعد عني حتى تقضى).






اداب الزياره عند السادة المالكية

محمد بن محمد العبدري المالكي الشهير بابن الحاج(توفى737 هـ).
وقال العلامة ابن الحاج المالكي: (وَأَمَّا عَظِيمُ جَنَابِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَالرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ فَيَأْتِي إلَيْهِمْ الزَّائِرُ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ قَصْدُهُمْ مِنْ الْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ ، فَإِذَا جَاءَ إلَيْهِمْ فَلْيَتَّصِفْ بِالذُّلِّ ، وَالِانْكِسَارِ ، وَالْمَسْكَنَةِ ، وَالْفَقْرِ، وَالْفَاقَةِ، وَالْحَاجَةِ ، وَالِاضْطِرَارِ ،وَالْخُضُوعِ وَيُحْضِرْ قَلْبَهُ وَخَاطِرَهُ إلَيْهِمْ ، وَإِلَى مُشَاهَدَتِهِمْ بِعَيْنِ قَلْبِهِ لَا بِعَيْنِ بَصَرِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَبْلَوْنَ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ ، ثُمَّ يُثْنِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ وَيَتَرَضَّى عَنْ أَصْحَابِهِمْ ، ثُمَّ يَتَرَحَّمُ عَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ، ثُمَّ يَتَوَسَّلُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهِمْ فِي قَضَاءِ مَآرِبِهِ وَمَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِ وَيَسْتَغِيثُ بِهِمْ وَيَطْلُبُ حَوَائِجَهُ مِنْهُمْ وَيَجْزِمُ بِالْإِجَابَةِ بِبَرَكَتِهِمْ وَيُقَوِّي حُسْنَ ظَنِّهِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ بَابُ اللَّهِ الْمَفْتُوحِ، وَجَرَتْ سُنَّتُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي قَضَاءِ الْحَوَائِجِ عَلَى أَيْدِيهِمْ وَبِسَبَبِهِمْ، وَمَنْ عَجَزَ عَنْ الْوُصُولِ إلَيْهِمْ فَلْيُرْسِلْ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِمْ، وَذِكْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ حَوَائِجِهِ وَمَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِ وَسَتْرِ عُيُوبِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ،فَإِنَّهُمْ السَّادَةُ الْكِرَامُ، وَالْكِرَامُ لَا يَرُدُّونَ مَنْ سَأَلَهُمْ وَلَا مَنْ تَوَسَّلَ بِهِمْ، وَلَا مَنْ قَصَدَهُمْ وَلَا مَنْ لَجَأَ إلَيْهِمْ هَذَا الْكَلَامُ فِي زِيَارَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عُمُومًا).
المدخل في فصل زيارة القبور



الاسراء و المعراج

و لو نظرنا الى سيدنا رسول الله فى الاسراء و المعراج قال له جبريل عليه السلام هذا قبر موسى فنزل وعا عنده . و هنا بيت لحم حييت ولد عيسى فنزل وصلى فيه و دعا . لأن المكان بورك و قدس و طهر و رفع قدره . وفى هذا اشارة الى قيمة الأماكن و البقاع و الديار التى يسكنها و ينزل فيها أهل الله و خاصته و أولياء الله و أتقياؤه . فان سنة الاسلام تدعو الى زيارة هذه الأماكن و هذه البقاع التى شرفها و رفع قدرها حضرة الله تعالى و أمر أحبابه و اصفياءه بزيارتها . كما أن الله حرم على المؤمنين الركوز الى الظالمين و النزول الى ديارهم و أماكنهم حتى لا يصيبهم العذاب الذى حل بهم . 

و ان زيارة مقامات الصالحين أحياءا و أمواتا . و فى الحقيقة ليس هم بأموات و انما هم فى الحياة البرزخية التى هى أكمل من الحياة الكونية بالنسبة اليهم لانهم فى عالم الرضوان و فى روضات الجنان .قال الله صلى الله عليه وسلم  : " القبر حفرة من جهنم أو روضة من رياض الجنة " رواه البيهقى اذن من يكون فى الروضة ممتعا بما فيها من نعيم و من سرور و صبور . هل يكون ميتا كما يتصور البعض أن الموت فناء . ان الموت فى الحقية ما هو الا انكشاف و زوال عن الانسان الحجاب الكثيف الذى يحجبه و الأنس بحياة الخلود و هو انتقال من دار الى دار من دار الأعمال و الأسباب الى دار الأمال . فكيف يكون الموت حجابا لأهل البرزخ عن الاتصال بأهل الدنيا أو السماع عنهم أو معرفة أخبارهم و أحوالهم . كيف هذا و الرسول الله صلى الله عليه وسلم نادى على قتل بدر من الكفار و قال أنهم لا سمع منكم . كيف هذا و زيارة القبور سنة مؤكدة و زار الرسول الله صلى الله عليه وسلم   القبور و زار أصحابه الكرام . و كل العلماء زاروا روضات الصالحين بالامام مالك رضى الله عنه كان يزور روضة النبى الله صلى الله عليه وسلم   و يدعو الله فيها و كذلك كان الامام الشافعى رضى الله عنه دائم التردد على ضريح الامام أبو حنيفه و كان يدعو فيه عن كل أمر أهمه . فكل الأمه و العلماء كانوا يزوروا مقامات الأنبياء الصالحين .




و الله من وراء القصد و هو يهدى السبيل و صلى اللهم على سيدنا محمد و على أله و صحبه و سلم .

الدس على التصوف



وأما التصوف: فكغيره من العلوم الدينية، لم يَسْلم من الدس والتحريف من هؤلاء الدخلاء والمفترين.

فمنهم من أدخل في كتب الصوفية أفكاراً منحرفة، وعبارات سيئة ما أنزل الله بها من سلطان، كقولهم:

وما الكلبُ والخنزيرُ إِلا إِلهنا وما الربُّ إِلا راهبٌ في كنيسة

{كَبُرَتْ كَلِمَةً تخرُجُ مِنْ أفوَاهِهِمْ إنْ يَقُولونَ إلا كَذِباً} [الكهف: 5].

ومنهم من أراد أن يفسد دين المسلمين بأشياء أُخر تمس عقائدهم ؛ فنسب إِلى بعض رجال الصوفية أقوالاً تخالف عقيدة أهل السنة ؛ كالقول بالحلول والاتحاد، وبأن الخالق عين المخلوق، والكون عين المكوِّن.

ومنهم من حاول تشويه تاريخ رجال الصوفية، ونزع ثقة الناس بهم، فدَسَّ في كتبهم حوادث وقصصاً من نسج خياله، فيها ارتكاب للمنكرات واقتراف للآثام والكبائر، كما نجد ذلك كثيراً في الطبقات الكبرى للإِمام الشعراني رحمه الله تعالى، وهو منها بريء كما سيأتي.

ومنهم المبشِّرون والمستشرقون، وأبواق الاستعمار الذين درسوا كتب السادة الصوفية، وكتبوا عنهم المؤلفات لأجل التحريف والتزوير والدس، يقصدون بذلك أن يطعنوا الإِسلام في صميمه، وأن يسلخوا روح الدين عن جسده، ولقد خُدع بهم أقوام أرادوا أن يفهموا التصوف من كتب هؤلاء المستشرقين، كأمثال [نكلسون الإِنكليزي، وجولد زيهر اليهودي، وماسينيون الفرنسي وغيرهم]، فوقعوا في أحابيلهم، وتسمَّمُوا من أفكارهم، وانجرفوا في تيار محاربة الصوفية. ولا أدري كيف يثق مسلم صادق بأقوال عدوه المخادع الماكر ؟

ومنهم السُّذَّجُ الذين يصدقون هؤلاء وهؤلاء، فيعتقدون بهذه الأمور المدسوسة ويثبتونها في كتبهم. وكل هذا بعيد عن الصوفية والتصوف.

فإِن قال قائل: إِنَّ ما نسب إِلى الصوفية من أقوال مخالفة هي حقاً من كلامهم بدليل وجودها في كتبهم المطبوعة المنشورة.

نقول: ليس كل ما في كتب الصوفية لهم ؛ لأنها لم تسْلم من حملات الدس والتحريف. وما أحوجنا إِلى تضافر جهود المؤمنين المخلصين لتنقية هذا التراث الإِسلامي الثمين ممَّا لحق به من دس وتحريف.

ولو ثبت بطريق صحيح عن بعض الصوفية كلام مخالف لحدود الشريعة فنقول: ليست كلمة فرد واحد حجة على جماعة، شعارها ومذهبها التمسك بالكتاب والسنة. حتى إِنهم ليقولون: إِن أول شرط الصوفي أن يكون واقفاً عند حدود الشريعة، وألا ينحرف عنها قيد شعرة. فإِذا هو تخطى هذا الشرط، ووصف نفسه بأنه صوفي، فقد اختلق لنفسه صفة ليست فيه وزعم ما ليس له.

وإِن من إِضاعة الوقت الثمين الانشغالَ بمثل هذه التُّرَّهَات والأباطيل المفتراة على هؤلاء القوم في هذه الأوقات التي يوجد ما هو أهم من المجادلة بها، فهي معروفة لدى الصوفية المحققين والعلماء المدققين. وعلينا أن نعرف أن التصوف ليس علماً نتلقاه بقراءة الكتب ومطالعة الكراريس، ولكنه أخلاق وإِيمان، وأذواق ومعارف، لا ينال إِلا بصحبة الرجال، الذين اهتدوا بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وورثوا عنه العلم والعمل والأخلاق والمعارف. وهو علم ينتقل من الصدر إِلى الصدر، ويفرغه القلب في القلب.

وهناك أقوام مغرضون، درسوا كتب السادة الصوفية وتتبعوا ما فيها من دس وتشويه وتحريف واعتبروها حقائق ثابتة، وارتكزوا عليها في حملاتهم العنيفة وتهجماتهم الشديدة على السادة الصوفية الأبرار. ولو أنهم قرأوا ما يعلنه رجال التصوف في جميع كتبهم من استمساكهم بالشريعة واعتصامهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وتقيدهم بالمذاهب الإِسلامية المعتبرة، وتَبَنِّيهِمْ عقيدة أهل السنة والجماعة، كما بيناه آنفاً في بحث بين الحقيقة والشريعة، لأدركوا تماماً أن ما ورد في كتبهم مما يناقض هذا المبدأ الواضح والمنهج السوي، إِنما هو مؤول أو مدسوس.

وإِليك بعض أمثلة الدس المفتراة على الصوفية والعلماء في كتبهم:

يقول ابن الفراء في طبقاته نقلاً عن أبي بكر المروزي ومسدد وحرب إِنهم قد رووا الكثير من المسائل، ونسبوها للإِمام أحمد بن حنبل.. وبعد أن يفيض في ذكر هذه المسائل يقول:

(رجلان صالحان بُليا بأصحاب سوء: جعفر الصادق، وأحمد بن حنبل، أما جعفر الصادق فقد نسبت إِليه أقوال كثيرة، دونت في فقه الشيعة الإِمامية على أنها له، وهو بريء منها. وأما الإِمام أحمد، فقد نسب إِليه بعض الحنابلة آراء في العقائد لم يقل بها) [التصوف الإِسلامي والإِمام الشعراني لطه عبد الباقي سرور ص82].

وسئل الإِمام الفقيه ابن حجر الهيثمي رحمه الله تعالى ونفعنا به: في عقائد الحنابلة ما لا يخفى على شريف علمكم، فهل عقيدة الإِمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه كعقائدهم ؟

فأجاب بقوله: (عقيدة إِمام السنة أحمد بن حنبل رضي الله عنه وأرضاه وجعل جنان المعارف متقلبه ومأواه، وأفاض علينا وعليه من سوابغ امتنانه، وبوأه الفردوس الأعلى من جنانه، موافقةٌ لعقيدة أهل السنة والجماعة من المبالغة التامة في تنزيه الله تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً ؛ من الجهة والجسمية وغيرها من سائر سمات النقص، بل وعن كل وصف ليس فيه كمال مطلق، وما اشتهر بين جهلة المنسوبين إِلى هذا الإِمام الأعظم المجتهد من أنه قائل بشيء من الجهة أو نحوها فكذب وبهتان وافتراء عليه. فلُعن من نسب إِليه، أو رماه بشيء من هذه المثالب التي برأه الله منها، وقد بين الحافظ الحجة القدوة الإِمام أبو الفرج بن الجوزي من أئمة مذهبه المبرئين من هذه الوصمة القبيحة الشنيعة أن كل ما نسب إِليه من ذلك كذب عليه وافتراء وبهتان، وأن نصوصه صريحة في بطلان ذلك وتنزيه الله تعالى عنه، فاعلم ذلك، فإِنه مهم) [الفتاوى الحديثية لابن حجر المكي ص148].

وأما الإِمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقد دُسَّ عليه كتاب نهج البلاغة أو أكثره، فقد ذكر الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمة علي بن الحسين الشريف المرتضى أنه: (هو المتهم بوضع كتاب نهج البلاغة، ومَنْ طالعه جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، ففيه السب الصراح والحط على السيدين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي من له معرفة بنَفَس القرشيين الصحابة، وبنَفَس غيرهم ممن بعدهم من المتأخرين جزم بأن الكتاب أكثره باطل) [ميزان الاعتدال للذهبي ج3 ص124].

وممن دُسَّ عليهم الإِمام الشعراني رحمه الله تعالى، وأكثر ما دُسَّ عليه في الطبقات الكبرى، ولقد أوضح ذلك في كتابه لطائف المنن والأخلاق فقال: (ومما مَنَّ الله تبارك وتعالى به عليَّ، صبري على الحسدة والأعداء، لما دسوا في كتبي كلاماً يخالف ظاهر الشريعة، وصاروا يستفتون عليَّ زوراً وبهتاناً، ومكاتبتهم فيَّ لِبابِ السلطان، ونحو ذلك. إِعلم يا أخي أن أول ابتلاء وقع لي في مصر من نحو هذا النوع، أنني لما حججْتُ سنة سبع وأربعين وتسعمائة، زَوَّر عليَّ جماعة مسألة فيها خرق لإِجماع الأئمة الأربعة، وهو أنني أفتيتُ بعض الناس بتقديم الصلاة عن وقتها إِذا كان وراء العبد حاجة، قالوا: وشاع ذلك في الحج، وأرسل بعض الأعداء مكاتبات بذلك إِلى مصر من الجبل، فلما وصلتُ إلى مصر، حصل في مِصْرَ رَجٍّ عظيم، حتى وصل ذلك إِلى إِقليم الغربية والشرقية والصعيد وأكابر الدولة بمصر، فحصل لأصحابي غاية الضرر، فما رجعتُ إِلى مصر إِلا وأجد غالب الناس ينظر إِليَّ شذراً، فقلت: ما بال الناس ؟ فأخبروني بالمكاتبات التي جاءتهم من مكة، فلا يعلم عدد من اغتابني، ولاث بعرضي إِلا الله عز وجل.

ثم إِني لما صنفت كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود، وكتب عليه علماء المذاهب الأربعة بمصر، وتسارع الناس لكتابته، فكتبوا منه نحو أربعين نسخة، غار من ذلك الحسدةُ، فاحتالوا على بعض المغفلين من أصحابي، واستعاروا منه نسخته، وكتبوا لهم منها بعض كراريس، ودسوا فيها عقائد زائغة ومسائل خارقة لإِجماع المسلمين، وحكايات وسخريات عن جحا، وابن الراوندي، وسبكوا ذلك في غضون الكتاب في مواضع كثيرة، حتى كأنهم المؤلف، ثم أخذوا تلك الكراريس، وأرسلوها إِلى سوق الكتبِيِّين في يوم السوق، وهو مجمع طلبة العلم، فنظروا في تلك الكراريس، ورأوا اسمي عليها، فاشتراها من لا يخشى الله تعالى، ثم دار بها على علماء جامع الأزهر، ممن كان كتب على الكتاب ومن لم يكتب، فأوقع ذلك فتنة كبيرة، ومكث الناس يلوثون بي في المساجد والأسواق وبيوت الأمراء نحو سنة، وأنا لا أشعر. وانتصر لي الشيخ ناصر الدين اللقاني، وشيخ الإِسلام الحنبلي، والشيخ شهاب الدين بن الجلبي، كل ذلك وأنا لا أشعر، فأرسل لي شخص من المحبين بالجامع الأزهر، وأخبرَني الخبرَ فأرسلت نسختي التي عليها خطوط العلماء، فنظروا فيها، فلم يجدوا فيها شيئاً مما دسه هؤلاء الحسدة، فسبُّوا من فعل ذلك، وهو معروف.

وأعرفُ بعض جماعة من المتهوِّرين، يعتقدون فيَّ السوء إِلى وقتي هذا، وهذا بناء على ما سمعوه أولاً من أُولئك الحسدة، ثم إِن بعض الحسدة، جمع تلك المسائل التي دُسَّت في تلك الكراريس وجعلها عنده، وصار كلما سمع أحداً يكرهني، يقول له: إِن عندي بعض مسائل تتعلق بفلان، فإِن احتجت إِلى شيء منها أطلعتك عليه، ثم صار يعطي بعض المسائل لحاسد بعد حاسد إِلى وقتي هذا، ويستفتون عليَّ وأنا لا أشعر، فلما شعرتُ، أرسلت لجميع علماء الأزهر أنني أنا المقصود بهذه الأسئلة، وهي مفتراة عليَّ، فامتنع العلماء من الكتابة عليها)[كتاب "لطائف المنن والأخلاق" للشعراني ج2. ص190ـ191].

وقد ذكر المؤرخ الكبير عبد الحي بن العماد الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب ترجمة الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله تعالى وبعد أن أثنى عليه، وذكر مؤلفاته الكثيرة، وأثنى عليها أيضاً قال فيه: (وحسده طوائف فدسوا عليه كلمات يخالف ظاهرها الشرع، وعقائد زائغة، ومسائل تخالف الإِجماع، وأقاموا عليه القيامة، وشنَّعوا وسبُّوا، ورموه بكل عظيمة، فخذلهم الله، وأظهره الله عليهم وكان مواظباً على السنة، ومبالغاً في الورع، مُؤثِراً ذوي الفاقة على نفسه حتى بملبوسه، متحملاً للأذى، موزعاً أوقاته على العبادة ؛ ما بين تصنيفٍ وتسليكٍ وإِفادة.. وكان يُسمَعُ لزاويته دوي كدوي النحل ليلاً ونهاراً، وكان يحيي ليلة الجمعة بالصلاة على المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولم يزل مقيماً على ذلك، معظَّماً في صدور الصدور، إِلى أن نقله الله تعالى إِلى دار كرامته) ["شذرات الذهب في أخبار من ذهب" للمؤرخ الفقيه الأديب عبد الحي الحنبلي المتوفى سنة 1089هـ. ج8. ص374].

وقال الشعراني رحمه الله تعالى في كتابه اليواقيت والجواهر: (وقد دسَّ الزنادقة تحت وسادة الإِمام أحمد بن حنبل في مرض موته، عقائد زائغة، ولولا أن أصحابه يعلمون منه صحة الاعتقاد، لافتتنوا بما وجوده تحت وسادته) [اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني ج1. ص8].

وكذلك ذكر الشيخ مجد الدين الفيروز أبادي صاحب القاموس في اللغة: أن بعض الملاحدة صنف كتاباً في تنقيص الإِمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وأضافه إِليه، ثم أوصله إِلى الشيخ جمال الدين بن الخياط اليمني، فشنَّع على الشيخ أشد التشنيع، فأرسل إِليه الشيخ مجد الدين يقول له: (إِني معتقد في الإِمام أبي حنيفة غاية الاعتقاد، وصنفت في مناقبه كتاباً حافلاً وبالغتُ في تعظيمه إِلى الغاية، فأحرِقْ هذا الكتاب الذي عندك، أو اغسله، فإِنه كذب وافتراء عليَّ) [لطائف المنن والأخلاق للشعراني ج1. ص127].

وقال الفقيه الكبير أحمد بن حجر الهيثمي المكي رحمه الله تعالى: (وإِياك أن تغترَّ بما وقع في كتاب الغنية لإِمام العارفين، وقطب الإِسلام والمسلمين، الشيخ عبد القادر الجيلاني. فإِنه دسه عليه فيها مَنْ سينتقم الله منه، وإِلا فهو بريء من ذلك. وكيف تروج عليه هذه المسألة الواهية مع تضلعه من الكتابِ والسنةِ وفقهِ الشافعيةِ والحنابلةِ، حتى كان يفتي على المذهبين. هذا مع ما انضم لذلك من أن الله مَنَّ عليه من المعارف والخوارق الظاهرة والباطنة. وما أنبأ عنه ما ظهر عليه وتواتر من أحواله.. إِلى أن قال: فكيف يُتصور أو يُتوهم أنه قائل بتلك القبائح التي لا يصدر مثلها إِلا عن اليهود وأمثالهم ممن استحكم فيهم الجهل بالله وصفاته وما يجب له وما يجوز وما يستحيل. سبحانك هذا بهتان عظيم) ["الفتاوى الحديثية" لابن حجر ص149].

وكذلك دسوا على الإِمام الغزالي عدة مسائل في كتاب الإِحياء، وظفر القاضي عياض بنسخة من تلك النسخ فأمر بإِحراقها ["اليواقيت والجواهر" ج1. ص8].

قال الشعراني رحمه الله تعالى: (وممَّا دسُّوا على الغزالي، وأشاعه بعضهم عنه، قولهم عنه إِنه قال: [إِن لله عباداً لو سألوه أن لا يقيم الساعة لم يقمها، وإِن لله عباداً لو سألوه أن يقيم الساعة الآن لأقامها]. فإِن مثل ذلك كذب وزور على الإِمام حجة الإِسلام رضي الله تعالى عنه وأرضاه، يجب على كل عاقل تنزيه الإِمام عنه، لأنه يردُّ النصوص القاطعة الواردة في مقدمات الساعة، فيؤدي ذلك إِلى تكذيب الشارع صلى الله عليه وسلم فيما أخبر، وإِنْ وُجد ذلك في بعض مؤلفات الإِمام فذلك مدسوس عليه من بعض الملاحدة، وقد رأيت كتاباً كاملاً مشحوناً بالعقائد المخالفة لأهل السنة والجماعة، صنَّفه بعض الملحدين ونسبه إِلى الإِمام الغزالي، فاطلع عليه الشيخ بدر الدين ابن جماعة، فكتب عليه: كذبَ والله وافترى مَنْ أضافَ هذا الكتاب إِلى حجة الإِسلام) ["لطائف المنن والأخلاق" للشعراني ج1. ص127].

وقال أيضاً: (وكذلك دسوا عليَّ أنا في كتابي المسمى بالبحر المورود جملةً من العقائد الزائغة، وأشاعوا تلك العقائد في مصر ومكة نحو ثلاث سنين، وأنا بريء منها كما بَيَّنْتُ في خطبة الكتاب لمَّا غيرتها، وكان العلماء كتبوا عليه وأجازوه، فما سكنت الفتنة حتى أرسلت إِليهم النسخة التي عليها خطوطهم) ["اليواقيت والجواهر" ج1. ص8].

هذا وقد ملأ خصومُه الدنيا حوله حقداً وحسداً، وافتراء وكذباً وتضليلاً، لاسيما في كتبه المعروفة، وأشهرها الطبقات الكبرى.

فلو قارن المُنْصِفُ بين كلام الشعراني رحمه الله تعالى الذي يعلن فيه تمسك الصوفية بالشريعة، وقد مر بك في بحث بين الحقيقة والشريعة [انظر بحث بين الحقيقة والشريعة ص381 من هذا الكتاب] وبين كلامه في الطبقات الكبرى لرأى تبايناً ظاهراً، ولظهر له كذب ما في الطبقات.

وكذلك دسوا على الشيخ محي الدين بن عربي رحمه الله تعالى، قال الشعراني: (كان رضي الله عنه متقيداً بالكتاب والسنة، ويقول: كل مَنْ رمى ميزان الشريعة من يده لحظة هلك.. إِلى أن قال: وهذا اعتقاد الجماعة إِلى قيام الساعة، وجميع ما لم يفهمه الناس من كلامه إِنما هو لِعُلِّو مراقيه، وجميع ما عارض من كلامه ظاهر الشريعة وما عليه الجمهور فهو مدسوس عليه، كما أخبرني بذلك سيدي أبو طاهر المغربي نزيل مكة المشرفة، ثم أخرج لي نسخة الفتوحات التي قابلها على نسخة الشيخ التي بخطه في مدينة قونيه، فلم أر فيها شيئاً مما كنت توقفت فيه وحذفته حين اختصرت الفتوحات.. ثم قال الشعراني رحمه الله تعالى: إِذا علمت ذلك، فيحتمل أن الحسدة دسوا على الشيخ في كتبه، كما دسوا في كتبي أنا، فإِنه أمر قد شاهدته عن أهل عصري في حقي، فالله يغفر لنا ولهم آمين) ["اليواقيت والجواهر" للشعراني ج1 ص9].

ذكر الفقيه الحنفي صاحب الدر المختار أن: (من قال عن فصوص الحكم للشيخ محي الدين بن عربي، إِنه خارج عن الشريعة، وقدصنفه للإِضلال، ومَنْ طالعه ملحد، ماذا يلزمه ؟ أجاب: نعم،فيه كلمات تباين الشريعة، وتكلف بعض المتصلِّفين لإِرجاعها إِلى الشرع، لكن الذي تيقنْتُه أن بعض اليهود افتراها على الشيخ قدس الله سره،فيجب الاحتياط بترك مطالعة تلك الكلمات. قال العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى في حاشيته على الدر المختار عندقوله: [لكن الذي تيقنْتُه]: وذلك بدليلٍ ثبت عنده، أو لسببِ عدمِ اطلاعه على مراد الشيخ فيها، وأنه لا يمكن تأويلها، فتعيَّن عنده أنها مفتراة عليه، كما وقع للشيخ الشعراني أنه افترى عليه بعض الحساد في بعض كتبه أشياء مكفرة، وأشاعها عنه، حتى اجتمع بعلماء عصره، فأخرج لهم مسودة كتابه التي عليها خطوط العلماء فإِذا هي خالية عما افْتُرِيَ عليه. وقال ابن عابدين أيضاً عند قوله: [فيجب الاحتياط]: لأنه إِن ثبت افتراؤها فالأمر ظاهر، وإِلا فلا يفهم كلُّ أحد مرادَه فيها، فيُخشى على الناظر فيها من الإِنكار عليه، أو فهم خلاف المراد) [حاشية ابن عابدين ج3. ص303، وصاحب الدر المختار الشيخ محمد علاء الدين الحصكفي المتوفى سنة 1088هـ].

ومن المدسوس على الشيخ محي الدين رحمه الله تعالى أيضاً: القول بأن أهل النار يتلذذون بدخولهم النار، وأنهم لو أخرجوا منها، تعذبوا بذلك الخروج.

قال الشعراني رحمه الله تعالى: (وإِن وُجد نحو ذلك في شيء من كتبه فهو مدسوس عليه، فإِني مررت على كتاب الفتوحات المكية جميعه فرأيته مشحوناً بالكلام على عذاب أهل النار) ["الكبريت الأحمر" ص276 طبعة 1277. كذا في مجلة العشيرة المحمدية عدد محرم 1381 ص21].

وقال أيضاً: (كذب مَنْ دسَّ في كتاب الفصوص والفتوحات، أن الشيخ محي الدين بن عربي قال بأن أهل النار يتلذذون بالنار، وأنهم لو أُخرجوا منها لاستغاثوا، وطلبوا الرجوع إِليها، كما رأيت ذلك في هذين الكتابين. وقد حذفت ذلك من الفتوحات حال اختصاري لها. حتى ورد عن الشيخ شمس الدين الشريف، بأنهم دسوا على الشيخ في كتبه كثيراً من العقائد الزائغة التي نقلت عن غير الشيخ، فإِن الشيخ مِنْ كُمَّل العارفين بإِجماع أهل الطريق، وكان جليس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الدوام، فكيف يتكلم بما يهدم شيئاً من أركان شريعته، ويساوي بين دينه وبين جميع الأديان الباطلة، ويجعل أهل الدارين سواء ؟! هذا لا يعتقده في الشيخ إِلا من عزلَ عنه عقله. فإِياك يا أخي أن تصدق، من يضيف شيئاً من العقائد الزائغة إِلى الشيخ، واحمِ سمعك وبصرك وقلبك، وقد نصحتُك والسلام. وقد رأيت في عقائد الشيخ محي الدين الواسطي ما نصه: ونعتقد أن أهل الجنة والنار مخلدون في دارَيْهِما، لا يخرج أحد منهم من داره أبد الآبدين ودهر الداهرين.. قال: ومرادنا بأهل النار الذين هم أهلها من الكفار والمشركين والمنافقين والمعطِّلين، لا عصاة الموحدين فإِنهم يخرجون من النار بالنصوص) ["اليواقيت والجواهر" للشعراني ج2. ص205].

ويؤيد ما ذكرنا بأن هذا القول مدسوس على الشيخ محي الدين ما ذكره الشيخ نفسه في الباب الحادي والسبعين وثلثمائة من الفتوحات، عندما تغلق أبواب النار، كيف يصير أهلها كقطع اللحم حينما تغلي بهم النار ويصير أعلاهاأسفلها. وكذلك ما ذكره الإِمام الباجوري الشافعي في شرحه على جوهرة التوحيد: (وما يقال بتمرن أهل النار بالعذاب، حتى لو أُلْقُوا في الجنة لتألموا مدسوس على القوم [الصوفية] كيف وقد قال تعالى: {فذُوقُوا فَلَنْ نَزيدَكُم إلا عَذاباً} [النبأ: 30] [حاشية العلامة شيخ الإِسلام إِبراهيم الباجوري ص108].

فكيف يعتقد مسلم هذه العقيدة الفاسدة التي تخالف عقيدة أهل السنة والجماعة ؟ وقد نص على ذلك الشيخ محمد بن يوسف الكافي، بعد أن ذكر فريق الجنة، وأنهم مخلدون فيها ومنعمون، ذكر فريق أهل النار فقال: (وفريق السعير خالدون فيه أبداً، لا ينقطع عنهم ألم العذاب، وقال بعضهم: [ينقطع عنهم، وينقلب في حقهم استلذاذاً، بحيث لو عُرضت عليهم الجنة لأَبوْها، لما هم فيه من الاستلذاذ]. ومعتقد هذا كافر بلا شك ولا ريب، لتكذيبه الله تعالى في خبره: {إنَّ الذينَ كَفَروا وماتوا وهُم كُفَّارٌ أولئكَ عليهِم لعنَةُ اللهِ والملائكَةِ والناسِ أجمعينَ . خالدينَ فيها لا يخفَّفُ عنهُمُ العذابُ ولا هُمْ يُنْظَرُونَ} [البقرة: 161ـ162]. وفي خبره أيضاً: {إنَّ الذينَ كفرُوا بآياتِنا سوف نُصْليهم ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودهُم بَدَّلْناهُم جُلوداً غيرها ليذوقوا العذابَ} [النساء: 56]. وغير ذلك من الآيات الدالة على استمرار عذابهم) [المسائل الكافية للشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي ص19].

ومما نسب إِلى الشيخ محي الدين رحمه الله تعالى أيضاً افتراءً عليه القولُ: بسقوط التكليف.

يقول العلامة الشعراني رحمه الله تعالى: (وقد ذكر الشيخ محي الدين أنه لا يجوز لولي قط المبادرة إِلى فعل معصية اطلع من طريق كشفه على تقديرها عليه، كما لا يجوز لمن كُشف له أن يمرض في اليوم الفلاني من رمضان، أن يبادر للفطر في ذلك اليوم، بل يجب عليه الصبر حتى يتلبس بالمرض، لأن الله تعالى ما شرع الفطر إِلا مع التلَبُّس بالمرض أو غيره من الأعذار، قال: وهذا مذهبنا ومذهب المحققين من أهل الله عز وجل) [مجلة العشيرة المحمدية عدد محرم 1381 ص21].

ومما دُسَّ على العارف الكبير الشيخ إِبراهيم الدسوقي رحمه الله تعالى قوله: (أذن لي ربي أن أتكلم وأقول أنا الله، فقال لي: قل: أنا الله ولا تبالِ) وفي هذا من الشناعة والاجتراء، ما يغني عن الإِطالة [مجلة العشيرة المحمدية عدد محرم 1381 ص23].

ومما دُسَّ على رابعة العدوية رحمها الله تعالى، قولها عن الكعبة: [هذا الصنم المعبود في الأرض] [وقد عمد بعض المغرضين الدساسين إِلى تقصي جميع النصوص المدسوسة والمكذوبة على الصوفية ليتخذها ذريعة في حملته المغرضة، وتهجمه الشنيع على الصوفية بأسلوب مقذع وعبارات منحطة بعيدة عن أخلاق الإِسلام وصفات المؤمنين لا يدفعه إِلى ذلك إِلا حقد دفين وهوى نفسي ومآرب شخصية]. وهذا ابن تيمية نفسه يُكذِّب نسبة هذا القول إِليها ويبين أنه مدسوس ومكذوب عليها، فقد قال حين سئل عن ذلك: (وأما ما ذكر عن رابعة من قولها عن البيت: إِنه الصنم المعبود في الأرض، فهو كذب على رابعة المؤمنة التقية، ولو قال هذا من قال لكان كافراً يستتاب، فإِن تاب وإِلا قتل، وهو كذب. فإِن البيت لا يعبده المسلمون ؛ ولكنهم يعبدون رب البيت بالطواف به والصلاة إِليه) ["مجموعة الرسائل والمسائل" لابن تيمية ج1 ص80ـ81].

ولو ذهبنا نستقصي ألوان التزييف في التاريخ الإِسلامي والتصوف لما وَسِعْتَنا هذه الرسالة، إِذ التصوف كان نصيبه من الدس والافتراء أعظم من غيره، لأن المزيفين أدركوا أن التصوف هو روح الإِسلام، وأن الصوفية هم قوته النافذة الضخمة وشعلته الوضاءة المشرقة، فأرادوا أن يطفئوا هذا النور. قال تعالى: {يُريدونَ لِيُطْفِئوا نورَ اللهِ بأفواهِهِم واللهُ مُتِمُّ نورِهِ ولو كَرِهَ الكافرونَ} [الصف: 8].

وإِننا لا ننسى أن الذي ساعد على الدس والتضليل والافتراء عدم الطباعة الفنية والمراقبة الشديدة في الماضي، كما هي عليه اليوم في عصرنا الحاضر من الطبع المنظم، ومن العقوبات القانونية لمن يتجرأ على طبع شيء من الكتب بغير إِذن مؤلفها، بخلاف عصر النسْخ للكتب الخطية، فقد كان الدساسون والكذابون يروجون كتباً فيها ما فيها من الدجل والكذب ما الله به عليم، ويُدخلون على كتب العلماء وخصوصاً الصوفية الدسائس والأباطيل.

ولكن الله تعالى ـ وله الحمد ـ قيَّضَ لهذا الدين رجالاً سهروا على تنقية الكتب الإِسلامية، وبيَّنوا المدسوس فيها من الصحيح.

ونحن بهذا الكتاب المتواضع نساهم في تنقية التصوف الإِسلامي مما علق به من دسائس وأمور دخيلة عليه، لنعيد له صفاءه وبريقه ولينتفع الناس من طاقاته الروحية ونفحته الإِيمانية في هذا العصر الذي خيَّمت عليه ظلمات المادية وآثام الإِباحية وتيارات الإِلحاد والوجودية.

فقهاء الصوفية



لقد كان علماء الشريعة الإِسلامية من الفقهاء والمحدِّثين، يسيرون على أثر الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، فيجمعون بين الشريعة والطريقة والحقيقة، ويؤدون العبادات العملية متحققين بسر الإِخلاص فيها، متذوقين حلاوتها، مدركين أسرارها، وقد كانت لهم مجاهدات لتهذيب نفوسهم وإِصلاح قلوبهم. ولِمَا تحلَّوْا به من صلاح وتقوى ومعرفة نالوا هذه المراتب العلمية، ومنحهم الله تعالى هذا الفهم لكتابه والتعمق في شرعه، ونفع الله الأمة بعلومهم على مرِّ السنين والأيام، فكأنهم أحياء بآثارهم الخالدة وجهودهم العلمية المباركة.

نقل الفقيه الحنفي الحصكفي صاحب الدر: أن أبا علي الدقاق رحمه الله تعالى قال: (أنا أخذتُ هذه الطريقة من أبي القاسم النصر أباذي، وقال أبو القاسم: أنا أخذتها من الشبلي، وهو من السري السقطي، وهو من معروف الكرخي، وهو من داود الطائي، وهو أخذ العلم والطريقة من أبي حنيفة رضي الله عنه، وكلٌ منهم أثنى عليه وأقرّ بفضله..) ثم قال صاحب الدر معلقاً: (فيا عجباً لك يا أخي! ألم يكن لك أسوة حسنة في هؤلاء السادات الكبار ؟ أكانوا مُتَّهمين في هذا الإِقرار والافتخار، وهم أئمة هذه الطريقة وأرباب الشريعة والحقيقة ؟ ومَن بعدهم في هذا الأمر فلهم تبع، وكل ما خالف ما اعتمدوه مردود مبتدع) [الدر المختار ج1. ص43. وعليه حاشية ابن عابدين وهو محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي فقيه الديار الشامية وإِمام الحنفية في عصره، له من التآليف [رد المحتار على الدر المختار] في خمسة مجلدات يعرف بحاشية ابن عابدين، وله رفع الأنظار عما أورده الحلبي على الدر المختار، والعقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية جزءان، ونسمات الأسحار شرح المنار، ومجموعة الرسائل.. مولده ووفاته في دمشق سنة 1198ـ1252هـ].

ولعلك تستغرب عندما تسمع أن الإِمام الكبير، أبا حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، يعطي الطريقة لأمثال هؤلاء الأكابر من الأولياء والصالحين من الصوفية!.

فهلاَّ تأسى الفقهاء بهذا الإِمام، فساروا على نهجه، وجمعوا بين الشريعة والحقيقة، لينفع الله بعلمهم، كما نفع بإِمامهم الأعظم، الإِمام الكبير، معدن التقوى والورع أبي حنيفة رحمه الله تعالى!

يقول ابن عابدين رحمه الله تعالى في حاشيته متحدثاً عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، تعليقاً على كلام صاحب الدر الآنف الذكر: (هو فارس هذا الميدان، فإِن مبنى علم الحقيقة على العلم والعمل وتصفية النفس، وقد وصفه بذلك عامة السلف، فقال أحمد بن حنبل [رحمه الله تعالى] في حقه: إِنه كان من العلم والورع والزهد وإِيثار الآخرة بمحل لا يدركه أحد، ولقد ضُرِب بالسياط لِيَلِيَ القضاء، فلم يفعل. وقال عبد الله بن المبارك [رحمه الله تعالى]: ليس أحد أحق من أن يُقْتَدى به من أبي حنيفة، لأنه كان إِماماً تقياً نقياً ورعاً عالماً فقيهاً، كشف العلم كشفاً لم يكشفه أحد ببصر وفهم وفطنة وتقى. وقال الثوري لمن قال له: جئتُ من عند أبي حنيفة: لقد جئتَ من عند أعبد أهل الأرض) ["حاشية ابن عابدين" ج1. ص43].

ومن هذا نعلم أن الأئمة المجتهدين والعلماء العاملين، هم الصوفية حقيقة.

فإِن قال قائل: لو أن طريق التصوف أمر مشروع، لوضع فيه الأئمة المجتهدون كتباً، ولا نرى لهم قط كتاباً في ذلك ؟

يجيب الشعراني رحمه الله تعالى على هذا فيقول: (إِنما لم يضع المجتهدون في ذلك كتاباً لقلة الأمراض في أهل عصرهم، وكثرة سلامتهم من الرياء والنفاق. ثم بتقدير عدم سلامة أهل عصرهم من ذلك، فكان ذلك في بعض أناس قليلين، لا يكاد يظهر لهم عيب. وكان معظم همة المجتهدين إِذ ذاك إِنما هو في جمع الأدلة المنتشرة في المدائن والثغور مع أئمة التابعين وتابعيهم، التي هي مادة كل علم، وبها يُعرف موازين جميع الأحكام، فكان ذلك أهم من الاشتغال بمناقشة بعض أناس في أعمالهم القلبية التي لا يظهر بها شعار الدين، وقد لا يقعون بها في حكم الأصل.

ولا يقول عاقل قط: إِن مثل الإِمام أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد رضي الله عنهم، يعلم أحدهم من نفسه رياءً أو عُجباً أو كبراً أو حسداً أو نفاقاً ثم لا يجاهد نفسه ولا يناقشها أبداً. ولولا أنهم يعلمون سلامتهم من تلك الآفات والأمراض لقدموا الاشتغال بعلاجها على كل علم) ["لطائف المنن والأخلاق" للشعراني ج1 ص25ـ26].

بين الحقيقة والشريعة



تمهيد وتعريف:

لقد ورد في حديث جبريل المشهور الذي يرويه عمر بن الخطاب رضي الله عنه تقسيمُ الدين إِلى ثلاثة أركان، بدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر: "فإِنه جبريل أتاكم يعلمُكُمْ دينَكمْ" [أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإِيمان. والإِمام أحمد في مسنده في باب الإِيمان والإِسلام والإِحسان ج1. ص64].

1ـ فركن الإِسلام: هو الجانب العملي ؛ من عبادات ومعاملات وأُمور تعبدية، ومحله الأعضاء الظاهرة الجسمانية. وقد اصطلح العلماء على تسميته بالشريعة، واختص بدراسته السادة الفقهاء.

2ـ وركن الإِيمان: وهو الجانب الاعتقادي القلبي ؛ من إِيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر.. وقد اختص بدراسته السادة علماء التوحيد.

3ـ وركن الإِحسان: وهو الجانب الروحي القلبي ؛ وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإِن لم تكن تراه فإِنه يراك، وما ينتج عن ذلك من أحوال وأذواق وجدانية، ومقامات عرفانية، وعلوم وهبية، وقد اصطلح العلماء على تسميته بالحقيقة، واختص ببحثه السادة الصوفية.

ولتوضيح الصلة بين الشريعة والحقيقة نضرب لذلك مثلاً الصلاة، فالإِتيان بحركاتها وأعمالها الظاهرة، والتزام أركانها وشروطها، وغير ذلك مما ذكره علماء الفقه، يمثل جانب الشريعة، وهو جسد الصلاة. وحضور القلب مع الله تعالى في الصلاة يمثل جانب الحقيقة، وهو روح الصلاة.

فأعمال الصلاة البدنية هي جسدها، والخشوع روحها. وما فائدة الجسد بلا روح ؟! وكما أن الروح تحتاج إِلى جسد تقوم فيه، فكذلك الجسد يحتاج إِلى روح يقوم بها، ولهذا قال الله تعالى: {أقيمُوا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ} [البقرة: 110]. ولا تكون الإِقامة إِلا بجسد وروح، ولذا لم يقل: أوجدوا الصلاة.

ومن هذا ندرك التلازم الوثيق بين الشريعة والحقيقة كتلازم الروح والجسد. والمؤمن الكامل هو الذي يجمع بين الشريعة والحقيقة، وهذا هو توجيه الصوفية للناس، مقتفين بذلك أثر الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام.

وللوصول إِلى هذا المقام الرفيع، والإِيمان الكامل، لابد من سلوك الطريقة، وهي مجاهدة النفس، وتصعيد صفاتها الناقصة إِلى صفات كاملة، والترقي في مقامات الكمال بصحبة المرشدين، فهي الجسر الموصل من الشريعة إِلى الحقيقة.

قال السيد رحمه الله تعالى في تعريفاته: (الطريقة هي السيرة المختصة بالسالكين إِلى الله تعالى، من قطع المنازل والترقي في المقامات) [تعريفات السيد ص94].

فالشريعة هي الأساس، والطريقة هي الوسيلة، والحقيقة هي الثمرة وهذه الأشياء الثلاثة متكاملة منسجمة، فَمَنْ تمسَّك بالأولى منها سلك الثانية فوصل إِلى الثالثة، وليس بينها تعارض ولا تناقض. ولذلك يقول الصوفية في قواعدهم المشهورة: (كل حقيقة خالفت الشريعة فهي زندقة). وكيف تخالف الحقيقةُ الشريعةَ وهي إِنما نتجت من تطبيقها.

يقول إِمام الصوفية أحمد زروق رحمه الله تعالى: (لا تصوف إِلا بفقه، إِذ لا تعرف أحكام الله الظاهرة إِلا منه. ولا فقه إِلا بتصوف، إِذ لا عمل إِلا بصدق وتوجه لله تعالى. ولا هما [التصوف والفقه] إِلا بإِيمان، إِذ لا يصح واحد منهما دونه. فلزم الجميع لتلازمها في الحكم، كتلازم الأجسام للأرواح، ولا وجود لها إِلا فيها، كما لا حياة لها إِلا بها، فافهم) ["قواعد التصوف" للشيخ أحمد زروق قاعدة 3. ص3].

ويقول الإِمام مالك رحمه الله تعالى: (مَنْ تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن جمع بينهما فقد تحقق) ["شرح عين العلم وزين الحلم" للإِمام مُلا علي القاري ج1. ص33].

تزندق الأول لأنه نظر إِلى الحقيقة مجردة عن الشريعة، فقال بالجبر وأن الإِنسان لا خيار له في أمر من الأمور، فهو يتمثل قول القائل:

ألقاهُ في اليمِّ مكتوفاً وقال لهإِياك إِياك أنْ تبتلَّ بالماءِ فعطَّل بذلك أحكام الشريعة والعمل بها، وأبطل حكمتها والنظر إِليها.

وتفسَّق الثاني لأنه لم يدخل قلبه نورُ التقوى، وسرُ الإِخلاص وواعظ المراقبة، وطريقة المحاسبة، حتى يحجب عن المعصية، ويتمسك بأهداب السنة.

وتحقق الثالث لأنه جمع كل أركان الدين: الإِيمان، والإِسلام، والإِحسان، التي اجتمعت في حديث جبريل عليه السلام.

وكما حفظ علماء الظاهر حدود الشريعة، كذلك حفظ علماء التصوف آدابها وروحها، وكما أبيح لعلماء الظاهر الاجتهاد في استنباط الأدلة واستخراج الحدود والفروع، والحكم بالتحليل والتحريم على ما لم يَرِدْ فيه نص، فكذلك للعارفين أن يستنبطوا آداباً ومناهج لتربية المريدين وتهذيب السالكين.

ولقد تحقق السلف الصالح والصوفية الصادقون بالعبودية الحقة والإِسلام الصحيح، إِذ جمعوا بين الشريعة والطريقة والحقيقة، فكانوا متشرِّعين متحققين، يهدون الناس إِلى الصراط المستقيم.

فالدين إِن خلا من حقيقته جفَّت أصولُه، وذوت أغصانه، وفسدت ثمرته.

مناقشة المتحاملين على الصوفية:

أما هؤلاء المعترضون على السادة الصوفية:

ـ إِن كانوا ينكرون هذا التقسيم إِلى [شريعة، وطريقة، وحقيقة] على النحو الذي بيَّناه آنفاً، فهم لاشك يريدون بذلك أن يفصلوا روح الإِسلام عن جسده، وأن يهدموا ركناً هاماً من أركان الدين الثلاثة الموضحة في حديث جبريل عليه السلام، ويخالفوا علماء الإِسلام وكبار فقهائه.

يقول ابن عابدين رحمه الله تعالى في حاشيته المشهورة (بِرَدِّ المحتار): (الطريقة: هي السيرة المختصة بالسالكين من قطع المنازل، والترقي في المقامات). ويقول في الصفحة التي تليها: (فالحقيقة: هي مشاهدة الربوبية بالقلب، ويقال: هي سر معنوي لا حدَّ له ولا جهة. وهي والطريقة والشريعة متلازمة، لأن الطريق إِلى الله تعالى لها ظاهر وباطن، فظاهرها الشريعة والطريقة، وباطنها الحقيقة. فبطون الحقيقة في الشريعة والطريقة، كبطون الزبْد في لبنه، لا يُظفر من اللبن بزبده بدون مخضّه، والمراد من الثلاثة [الشريعة، والطريقة، والحقيقة] إِقامة العبودية على الوجه المراد من العبد) [حاشية ابن عابدين ج3. ص303].

ويقول الشيخ عبد الله اليافعي رحمه الله تعالى: (إِن الحقيقة هي مشاهدة أسرار الربوبية. ولها طريقة هي عزائم الشريعة، فمن سلك الطريقة وصل إِلى الحقيقة. فالحقيقة نهاية عزائم الشريعة. ونهاية الشيء غير مخالفة له، فالحقيقة غير مخالفة لعزائم الشريعة) [نشر المحاسن الغالية ج1. ص154].

وقال صاحب كشف الظنون في حديثه عن علم التصوف: (ويقال: علم التصوف علم الحقيقة أيضاً، وهو علم الطريقة، أي تزكية النفس عن الأخلاق الردية، وتصفية القلب عن الأغراض الدَّنية. وعلم الشريعة بلا علم الحقيقة عاطل، وعلم الحقيقة بلا علم الشريعة باطل.

علم الشريعة وما يتعلق بإِصلاح الظاهر بمنزلة العلم بلوازم الحج. وعلم الطريقة وما يتعلق بإِصلاح الباطن بمنزلة العلم بالمنازل، وعقبات الطريق. فكما أن مجرد علم اللوازم، ومجرد علم المنازل لا يكفيان في الحج الصوري بدون إِعداد اللوازم وسلوك المنازل، كذلك مجرد العلم بأحكام الشريعة وآداب الطريقة لا يكفيان في الحج المعنوي، بدون العمل بموجبيهما) [كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، لحاجي خليفة ج1. ص413].

ـ وإِن كان المعترضون يقرّون فكرة التقسيم السالفة الذكر، ولكنهم ينكرون هذه التسمية: [الشريعة، والطريقة، والحقيقة].

نقول لهم: هذا تعبير درج عليه العلماء، وجرى عليه الفقهاء كما بيَّنا وهو اصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاحات.

ـ وإِن كانوا يقرون التقسيم والتسمية، ولكنهم ينكرون على الصوفية أحوالهم القلبية، وأذواقهم الوجدانية، وعلومهم الوهبية.

نقول لهم: إِن هذه أمور يكرم الله تعالى بها عباده المخلصين، وأحبابه الصادقين، ولا حجر على القدرة الإِلهية.

إِنما هي أذواق ومفاهيم، وكشوفات وفتوحات، منحهم الله إِياها، فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "العلم علمان: علم في القلب، وفي رواية: علم ثابت في القلب، فذلك العلم النافع. وعلم على اللسان، فذلك حجة الله على خلقه" [رواه الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخه بإِسناد حسن، ورواه ابن عبد البر النمري في كتاب العلم عن الحسن مرسلاً بإِسناد صحيح كما في الترغيب والترهيب ج1. ص67].

ويدل على ذلك حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، فقد أخرج أبو نعيم في الحلية عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن معاذ بن جبل دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "كيف أصبحتَ يا معاذ ؟".قال: أصبحتُ مؤمناً بالله تعالى. قال: "إِن لكل قول مصداقاً، ولكل حق حقيقة، فما مصداق ما تقول ؟". قال: يا نبي الله! ما أصبحت صباحاً قط إِلا ظننت أني لا أمسي، وما أمسيت مساء قط إِلا ظننت أني لا أصبح، ولا خطوت خطوة إِلا ظننت أني لا أتبعها أخرى، وكأني أنظر إِلى كل أمة جاثية تدعى إِلى كتابها، معها نبيها وأوثانها التي كانت تعبد من دون الله وكأني أنظر إِلى عقوبة أهل النار، وثواب أهل الجنة. قال: "عرفت فالزم" [أخرجه أبو نعيم في الحلية ج1. ص242].

فلم يصل الصالحون إِلى هذه الكشوفات والمعارف إِلا بتمسكهم بالكتاب والسنة، واقتفائهم أثر الرسول الأعظم وأصحابه الكرام، ومجاهدتهم لأنفسهم، من صيام وقيام، وزهدهم في هذه الدنيا الفانية، كما أكرم الله معاذاً رضي الله عنه بهذا الكشف الذي أقره عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "عرفتَ فالزم".

وهذا الإِمام الشعراني رحمه الله تعالى يتحدث عن إِكرام الله تعالى للصوفية الذين ساروا على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أمثال معاذ رضي الله عنه فيقول:

(اعلم يا أخي أن علم التصوف عبارة عن علم انقدح في قلوب الأولياء حين استنارت بالعمل بالكتاب والسنة، فكل من عمل بهما انقدح له من ذلك علوم وآداب وأسرار وحقائق، تعجز الألسنة عنها، نظير ما انقدح لعلماء الشريعة من أحكام، حين عملوا بما علموه من أحكامها) ["التصوف الإِسلامي والإِمام الشعراني لطه عبد الباقي سرور ص70].

وقد كان علماء السلف الصالح رضي الله عنهم يعملون بكل ما يعلمون على وجه الإِخلاص لله تعالى، فاستنارت قلوبهم، وخلصت من العلل القادحة أعمالهم، فلما ذهبوا وخلف من بعدهم أقوام لا يعتنون بالإِخلاص في علمهم ولا في عملهم أظلمت قلوبهم، وحُجبت عن أحوال القوم فأنكروها.

وهناك مغرضون يتحاملون على الصوفية مستشهدين بكلام ابن تيمية وغيره، ويتهمونهم زوراً وبهتاناً، بأنهم يهتمون بالحقيقة فقط، ويهملون جانب الشريعة، وأنهم يعتمدون على كشفهم ومفاهيمهم ولو خالفت الشريعة، فهذا كله افتراء باطل، يشهد على بطلانه كلام ابن تيمية نفسه. فقد تحدث ابن تيمية رحمه الله تعالى عن تمسك السادة الصوفية بالكتاب والسنة في قسم علم السلوك من فتاواه فقال: (والشيخ عبد القادر [الجيلاني رحمه الله تعالى] ونحوه من أعظم مشائخ زمانهم أمراً بالتزام الشرع والأمر والنهي وتقديمه على الذوق والقدر، ومن أعظم المشائخ أمراً بترك الهوى والإِرادة النفسية، فإِن الخطأ في الإِرادة من حيث هي إِرادة إِنما تقع من هذه الجهة، فهو يأمر السالك أن لا تكون له إِرادة من جهته هو أصلاً ؛ بل يريد ما يريد الربُّ عز وجل ؛ إِما إِرادة شرعية إِن تبين له ذلك، وإِلا جرى مع الإِرادة القدرية، فهو إِما مع أمر الرب وإِما مع خلقه. وهو سبحانه له الخلق والأمر. وهذه طريقة شرعية صحيحة)[مجموع فتاوى أحمد بن تيمية ج10. ص488ـ489].

وقال أيضاً: (فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشائخ السلف مثل الفضيل بن عياض، وإِبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد، وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر [الجيلاني]، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من المتأخرين، فهم لا يسوِّغون للسالك ولو طار في الهواء، أو مشى على الماء، أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يفعل المأمور، ويدع المحظور إِلى أن يموت. وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإِجماع السلف وهذا كثير في كلامهم) ["مجموع فتاوى أحمد بن تيمية" ج10. ص516ـ517].

وهذه نبذة يسيرة من أقوال أئمة السادة الصوفية وتوجيهاتهم تشهد على:

تمسكهم بالكتاب والسنة:

قال الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى: (كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة. طِرْ إِلى الحق عز وجل بجناحي الكتاب والسنة، ادخل عليه ويدك في يد الرسول صلى الله عليه وسلم) ["الفتح الرباني" للشيخ عبد القادري الجيلاني ص29].

وقال منكراً على من يعتقد أن التكاليف الشرعية تسقط عن السالك في حال من الأحوال: (ترك العبادات المفروضة زندقة. وارتكاب المحظورات معصية، لا تسقط الفرائض عن أحد في حال من الأحوال) ["الفتح الرباني" للشيخ عبد القادري الجيلاني ص29].

ويقول سهل التستري رحمه الله تعالى: (أصولنا سبعة أشياء: التمسك بكتاب الله تعالى، والاقتداء بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأكل الحلال، وكفِ الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق) ["طبقات الصوفية" للسلمي ص210].

وكان الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى يقول: (إِذا عارض كشفُك الصحيح الكتابَ والسنة فاعمل بالكتاب والسنة ودع الكشف، وقل لنفسك: إِن الله تعالى ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة، ولم يضمنها لي في جانب الكشف والإِلهام) ["إِيقاظ الهمم" ج2. ص302ـ303].

وقال أبو سعيد الخراز رحمه الله تعالى: (كلُّ باطنٍ يخالفه ظاهرٌ فهو باطلٌ) ["الرسالة القشيرية" ص27].

وقال أبو الحسين الوراق رحمه الله تعالى: (لا يصل العبد إِلى الله إِلا بالله، وبموافقة حبيبه صلى الله عليه وسلم في شرائعه، ومَنْ جعل الطريق إِلى الوصول في غير الاقتداء يضل من حيث يظن أنه مهتد) ["طبقات الصوفية" للسلمي ص300].

وقال الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله تعالى: (إِن طريق القوم محررة على الكتاب والسنة كتحرير الذهب والجوهر، فيحتاج سالكها إِلى ميزان شرعي في كل حركة وسكون) ["لطائف المنن والأخلاق" للشعراني ج1. ص2].

وقال أيضاً: (إِن حقيقة طريق القوم علم وعمل، سداها ولحمتها شريعة، وحقيقة، لا أحدهما فقط) ["لطائف المنن والأخلاق" للشعراني ج1 ص25].

وقال الشعراني أيضاً: (فَمَنْ دقَّق النظر عَلِمَ أنه لا يخرج شيء من علوم أهل الله تعالى عن الشريعة. وكيف يخرج والشريعة صلتهم إِلى الله عز وجل في كل لحظة) ["التصوف الإِسلامي والإِمام الشعراني" لطه عبد الباقي سرور ص71].

وسئل أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى عن الصوفي فقال: (هو الذي يأخذ كتاب الله بيمينه وسنة رسوله بشماله، وينظر بإِحدى عينيه إِلى الجنة، وبالأخرى إِلى النار، ويأتزر بالدنيا، ويرتدي بالآخرة، ويلبي من بينهما للمولى: لبيك اللهم لبيك) ["شطحات الصوفية" لعبد الرحمن البدوي ص96].

ومن جملة توجيه أبي يزيد رحمه الله تعالى: (عشرة أشياء فريضة على البدن: أداء الفرائض، واجتناب المحارم، والتواضع لله، وكف الأذى عن الإِخوان، والنصيحة للبَرِّ والفاجر، وطلب مرضاة الله في جميع أموره، وطلب المغفرة، وترك الغضب، والكبرُ والبغيُ والمجادلةُ من ظهور الجفا، وأن يكون وصي نفسه يتهيأُ للموت) ["شطحات الصوفية" ص103].

ومع كل هذا نجد الحاقدين على التصوف إِذا سمعوا بشيء من أخلاق القوم قالوا: [هذا منزع صوفي، لا شرعي] فيتوهم السامع أن التصوف أمر خارج عن أصل الشريعة، والحال أنه لب الشريعة كما رأيت. وإِنَّ مَنْ يطالع كتب القوم السليمة من الدس ؛ مثل: كتاب الحلية لأبي نعيم، والرسالة القشيرية، وكتاب التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي، واللمع للطوسي، والإِحياء للغزالي، وطبقات الصوفية للسلمي، والرعاية لحقوق الله للمحاسبي، والوصايا للشيخ محي الدين بن عربي، وغير ذلك من كتب الصوفية، لا يكاد يجد خُلُقاً مما فيها يخالف الشريعة أبداً، لكثرة محاسبة الصوفية لأنفسهم وأخذهم بالعزائم، فإِن حقيقة طريق القوم علم وعمل، سداها ولحمتها شريعة وحقيقة.



التحذير من الفصل بين الحقيقة والشريعة:

هناك أُناس ادَّعَوْا التصوف كذباً ونفاقاً، انحرفوا عن الإِسلام، وقالوا: إِن المقصود من الدين هو الحقيقة فقط، وعطلوا أحكام الشريعة، فأسقطوا عن أنفسهم التكاليف، وأباحوا المخالفات، وقالوا: إِن المُعَوَّل عليه صلاح القلب، ويقولون: [نحن أهل الباطن، وهم أهل الظاهر]. فهؤلاء ضالون منحرفون زنادقة، لا يجوز أن نأخذ أعمالهم وأحوالهم حجة على السادة الصوفية الصادقين المخلصين.

وإِن السادة أئمة الصوفية قد نبهوا إِلى خطرهم، وحذروا من صحبتهم ومجالستهم، وتبرؤوا من سيرهم وانحرافهم. قال أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى لبعض أصحابه: (قم بنا حتى ننظر إِلى هذا الرجل الذي قد شهر نفسه بالولاية، وكان رجلاً مقصوداً مشهوراً بالزهد، فمضينا إِليه، فلما خرج من بيته ودخل المسجد رمى ببصاقه تجاه القبلة، فانصرف أبو يزيد ولم يسلّم عليه، وقال: هذا غير مأمون على أدب من آداب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يكون مأموناً على ما يدعيه) ["الرسالة القشيرية" ص16]. وقال أيضاً: (لو نظرتم إِلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة) ["الرسالة القشيرية" ص16].

وقال الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى في قواعده: (وكل شيخ لم يظهر بالسنة فلا يصح اتباعه لعدم تحقق حاله، وإِن صح في نفسه وظهر عليه ألف ألف كرامة من أمره) ["قواعد التصوف" للشيخ أحمد رزوق ص76].

وقال سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى: (احذر صحبة ثلاث من أصناف الناس: الجبابرة الغافلين، والقُرَّاء المداهنين، والمتصوفة الجاهلين) ["شرح الحكم" لابن عجيبة ج1. ص76].

وقال السيد أحمد الرفاعي رحمه الله تعالى: (لا تقولوا كما يقول بعض المتصوفة: [نحن أهل الباطن، وهم أهل الظاهر]. هذا الدين الجامع باطنه لب ظاهره، وظاهره ظرف باطنه، لولا الظاهر لما بطن، لولا الظاهر لما كان الباطن ولما صح. القلب لا يقوم بلا جسد، بل لولا الجسد لفسد، والقلب نور الجسد. هذا العلم الذي سماه بعضهم بعلم الباطن، هو إِصلاح القلب، فالأول عمل بالأركان وتصديق بالجَنان. إِذا انفرد قلبك بحسن نيته وطهارة طويته، وقتلْتَ وسرقْتَ وزنيتَ، وأكلتَ الربا، وشربتَ الخمر، وكذبت وتكبرت وأغلظت القول، فما الفائدة من نيتك وطهارة قلبك ؟ وإِذا عبدت الله وتعففت، وصمت وتصدقت وتواضعت، وأبطن قلبُكَ الرياء والفساد، فما الفائدة من عملك ؟) ["البرهان المؤيد" للسيد أحمد الرفاعي رحمه الله تعالى. توفي سنة 578هـ بأم عبيدة بالعراق ص68].

وينكر الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى على من يعتقد أن التكاليف الشرعية تسقط عن السالك في حال من الأحوال، كما مَرَّ بك قوله: (ترك العبادات المفروضة زندقة، وارتكاب المحظورات معصية. لا تسقط الفرائض عن أحد في حال من الأحوال) ["الفتح الرباني" للشيخ عبد القادر الجيلاني ص29].

وقال شيخ الصوفية الإِمام الجنيد رحمه الله تعالى: (مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة) ["طبقات الصوفية" للسلمي ص159].

وقال أيضاً: (الطرق كلها مسدودة على الخلق إِلا على من اقتفى أثر الرسول عليه الصلاة والسلام، واتبع سنته ولزم طريقته، فإِنَّ طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه) ["طبقات الصوفية" للسلمي ص159].

وذكر رجل عنده المعرفة فقال: أهل المعرفة بالله يصلون إِلى ترك الحركات [الأعمال] من باب البر والتقرب إِلى الله عز وجل. فقال الجنيد رحمه الله تعالى: (إِن هذا قول قوم تكلموا بإِسقاط الأعمال [الصالحة التكليفية] وهو عندي عظيمة، والذي يسرق ويزني أحسن حالاً من الذي يقول هذا، فإِن العارفين بالله تعالى أخذوا الأعمال عن الله تعالى، وإِليه رجعوا فيها، ولو بقيتُ ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إِلا أن يحال بي دونها) ["الرسالة القشيرية" ص22]. وقال أيضاً: (ما أخذنا التصوف عن القيل والقال لكن عن الجوع [الصوم] وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات) ["الرسالة القشيرية" ص22].

وقال إِبراهيم بن محمد النصر أباذي رحمه الله تعالى: (أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع، وتعظيم حرمات المشايخ، ورؤية أعذار الخلق، وحسن صحبة الرفقاء، والقيام بخدمتهم، واستعمال الأخلاق الجميلة، والمداومة على الأوراد وترك ارتكاب الرخص والتأويلات، وما ضل أحد في هذا الطريق إِلا بفساد الابتداء، فإِن فساد الابتداء يؤثر في الانتهاء) [طبقات الصوفية للسلمي ص488].